اﻟﻘﺎﺗﻞ اﻟﺼﺎﻣﺖ
ﻣﺸﺮوﺑﺎت اﻟﻄﺎﻗﺔ.. ﺳﻢ ﻳﻔﺘﻚ ﺑﺎﻟﺸﺒﺎب
طلاب يعتبرونها «تريند» من أجل التركيز والنتيجة ضعف القدرة على تخزين المعلومات
تسارع ضربات القلب واضطراب الضغط ومشاكل بالجهاز العصبى أبرز المخاطر
دار الإفتاء: حرام شرعًا وأطباء يحذرون من تناولها.. والشاى والقهوة بدائل آمنة
فى الآونة الأخيرة شهدت مشروبات الطاقة انتشارًا واسعًا بين فئات الشباب والمراهقين، لتتحول من منتج ترفيهى محدود التداول إلى ظاهرة يومية حاضرة فى المدارس والجامعات ومحيط العمل، فيما أصدرت دار الإفتاء المصرية فتوى تقضى بأن تناول مشروبات الطاقة محرم شرعًا فى حال ثبوت ضرره على الصحة، استنادًا إلى القاعدة الفقهية التى تحرم تعريض النفس للهلاك أو الضرر المؤكد، وقد أثارت هذه الفتوى جدلًا واسعًا، بين من اعتبرها خطوة وقائية ضرورية لحماية الشباب من مخاطر صحية متزايدة، ومن اعتبرها تدخلًا فى حرية الاختيار الشخصى.
وفى ظل تصاعد التحذيرات الطبية من مكونات هذه المشروبات وتأثيراتها المحتملة على الصحة العامة، أصبح لا بد من التحرى عن مكونات هذه المشروبات، والوقوف على مدى مخاطرها الصحية.
تحذيرات
مشروبات الطاقة تسوق بأسماء براقة ووعود جذابة، باعتبارها حلًا سريعًا لزيادة التركيز واليقظة البدنية وتحسين الأداء الذهنى والرياضى، إلا أن هذه الصورة التسويقية تخفى خلفها تركيبات عالية من الكافيين والسكر والمنشطات، ما يثير قلق الأطباء والمتخصصين، وتشير تحذيرات طبية إلى أن الإفراط فى تناول هذه المشروبات قد يؤدى إلى ارتفاع ضغط الدم، وتسارع ضربات القلب، واضطرابات الجهاز العصبى، فضلًا عن تأثيرها السلبى على النوم والحالة النفسية، خاصة لدى المراهقين الذين لم يكتمل نمو أجهزتهم العصبية بعد.
ورغم هذه التحذيرات، يزداد إقبال الشباب على مشروبات الطاقة بشكل ملحوظ، مدفوعين بالإعلانات المكثفة، وسهولة الحصول عليها، والترويج لها كبديل سريع للقهوة أو الشاى، فى غياب وعى صحى بالمخاطر المحتملة، هذا الواقع يطرح تساؤلات حول دور الجهات الرقابية فى ضبط تداول هذه المنتجات، وعلى رأسها الهيئة القومية لسلامة الغذاء، المسئولة عن فحص مكونات الأغذية والمشروبات، ومراقبة مطابقتها للمواصفات، والتأكد من وضوح التحذيرات الصحية على العبوات.
وقد دفعت هذه المخاطر، إلى جانب الفتوى الدينية، عددًا من الأطباء والمهتمين بالصحة العامة إلى المطالبة بـتنظيم تداول مشروبات الطاقة أو تقييد بيعها، خاصة للفئات العمرية الصغيرة.
ورغم كل هذه التحذيرات والمخاوف أصدرت الهيئة القومية لسلامة الغذاء بيانا فى يوليو الماضى بعد استقبال الدكتور طارق الهوبى، رئيس الهيئة المستشار التجارى بسفارة النمسا بالقاهرة ومدير إحدى شركات مشروبات الطاقة، وأكد البيان أن اللقاء شهد مناقشة أوجه التعاون المشترك بين الهيئة والشركة فى حملات التوعية المجتمعية، كذا فى مجالات الالتزام بمعايير السلامة الغذائية والتشريعات المنظمة لتداول مشروبات الطاقة فى السوق المصرى، وسبل تعزيز الامتثال للمتطلبات الرقابية والتسجيل الغذائى لضمان سلامة وجودة المنتجات المتداولة.
وأكد الدكتور الهوبى خلال اللقاء على أهمية الشراكة مع الشركات العالمية ذات السمعة المرموقة، مشيرًا إلى حرص الهيئة على دعم بيئة استثمارية آمنة وصحية، تقوم على التزام كافة الأطراف بالضوابط والاشتراطات الفنية المعتمدة محليًا ودوليًا.

حدود غير آمنة
ورغم بيان الهيئة المسئولة عن سلامة الغذاء فى مصر، إلا أن تحذيرات الخبراء لم تتوقف، إذ قالت الدكتورة هالة عسكر، استشارى التغذية العلاجية، حاصلة على البورد الأمريكى، إن الشاى والقهوة من المشروبات الطبيعية المسموح بتناولها، ولا تمثل خطورة على الصحة إذا استُخدمت فى حدودها الآمنة، موضحة أن الحد الأقصى المسموح به يوميًا من الكافيين لا يجب أن يتجاوز 300 ملل، وهو ما يعادل نحو ثلاثة أكواب يوميًا منها.
وأشارت إلى أن المدارس الحديثة فى علم التغذية منعت تمامًا الأغذية والمشروبات المُصنّعة، وعلى رأسها مشروبات الطاقة، مؤكدة أن أضرارها مؤكدة، ولا يوجد لها حد آمن للاستهلاك، فهى مضرة سواء تم تناولها بكميات قليلة أو كبيرة، وللكبار والصغار على حد سواء.
وأوضحت أن خطورة مشروبات الطاقة ترجع إلى أنها تُحدث تنشيطًا مفاجئًا للجهاز العصبى نتيجة احتوائها على جرعات عالية من الكافيين تُدفع دفعة واحدة، إلى جانب مركبات منبهة أخرى، ما يؤدى إلى تسارع ضربات القلب، واضطرابات فى ضغط الدم، ومشاكل متعددة بالقلب والجهاز العصبى.
وأضافت أن بعض الشباب يلجأون إليها أثناء المذاكرة اعتقادًا بأنها تزيد التركيز، بينما تكون النتيجة فى الحقيقة ضعف القدرة على تخزين المعلومات، فيذاكر الطالب دون استفادة حقيقية.
وأكدت أن الاستمرار فى تناول مشروبات الطاقة قد يسبب اضطرابات فى ضربات القلب، وخللًا فى وظائف القلب، وارتفاعًا مفاجئًا فى ضغط الدم، ومشاكل فى الدورة الدموية، فضلًا عن تأثيرها السلبى على العظام والأسنان، حيث قد تسهم فى هشاشة العظام وتآكل الأسنان مع الاستخدام المتكرر.
وأضافت أن هذه المشروبات أصبحت تريند بين الشباب، ويتم الإقبال عليها دون وعى صحى حقيقى، مدفوعين بالدعاية والموضة، مشددة على أن البديل الآمن والصحى يكمن فى المشروبات الطبيعية مثل الشاى والقهوة باعتدال، إلى جانب النوم الجيد الذى يُعد عنصرًا أساسيًا لتركيز العقل واسترجاع المعلومات.
وأشارت إلى وجود بدائل غذائية طبيعية فعالة لزيادة الطاقة والتركيز، من بينها السردين البلدى لما له من فوائد كبيرة للذاكرة والتركيز ونضارة البشرة، والتمر خاصة عند تناوله مع السمسم والطحينة، إلى جانب الفول السودانى، والبيض البلدى، والشوكولاتة الطبيعية.
وطالبت ربات البيوت بالاهتمام بتقديم الأغذية الطبيعية لأبنائهن والابتعاد تمامًا عن المصنعات والألوان الصناعية.
واختتمت بالتأكيد على أن كثيرًا من الأمراض المنتشرة حاليًا ترجع إلى أنماط الحياة غير الصحية، من سهر وقلة حركة وابتعاد عن الشمس، فضلًا عن الضغوط النفسية والضغينة للغير التى ترفع هرمون الكورتيزول، مشددة على أن العودة إلى الغذاء الطبيعى ونمط الحياة المتوازن هو الطريق الحقيقى للحفاظ على الصحة والطاقة بعيدًا عن تريندات ضارة مثل مشروبات الطاقة.

منتجات مثيرة للجدل
ووصفت الدكتورة انتصار سعد، مدرس الكيمياء الحيوية والتغذية بكلية البنات جامعة عين شمس، مشروبات الطاقة أنها تُعد من أكثر المنتجات المثيرة للجدل صحيًا ودينيًا فى الوقت الحالى، موضحة أن بعض هذه المشروبات تحتوى على نسب من الكحول، وهو ما يجعلها محرّمة شرعًا بشكل قاطع، نظرًا لتحريم الإسلام لأى مشروب يحتوى على كحول، مهما كانت نسبته. وأضافت أنه حتى الأنواع التى لا تحتوى على كحول، ينبغى تجنبها تمامًا لما تسببه من أضرار صحية جسيمة.
وأشارت إلى أن الأضرار الصحية لمشروبات الطاقة قد تكون سريعة وقاتلة فى بعض الحالات، لافتة إلى وجود وقائع موثقة لوفاة أشخاص عقب تناولها مباشرة، نتيجة صدمة حادة فى الجهاز العصبى أو القلب، واستشهدت بحالة شاب رياضى من منطقة المقطم، توفى بشكل مفاجئ بعد تناوله لمشروبات الطاقة، مؤكدة أنها شهدت الواقعة عن قرب، ما يعكس خطورة هذه المشروبات حتى على الأجسام القوية.
وأوضحت الدكتورة انتصار سعد أن مشروبات الطاقة تتسبب فى زيادة حادة فى ضربات القلب وارتفاع مفاجئ فى ضغط الدم، فضلًا عن أن بعض مكوناتها تؤدى إلى ترسيب الكالسيوم والحديد داخل الجسم، ما يمنع الاستفادة الحقيقية من هذه العناصر الغذائية، ويخلّ بتوازن الجسم المعدنى.
وفى المقابل، فرقت بين هذه المشروبات الصناعية والمنشطات الطبيعية، مشيرة إلى أن الشاى والقهوة يُعدان آمنين نسبيًا عند تناولهما باعتدال، وأوضحت أن الشاى يحتوى على كافيين بنسبة أعلى من القهوة، إلى جانب مركبات أخرى مثل الثيوفيللين والأمينوفيللين، وهى مواد مفيدة للجهاز التنفسى عند استخدامها بشكل معتدل.
وأضافت أن القهوة، إذا تم تناول فنجان إلى فنجانين يوميًا، تكون مفيدة لاحتوائها على مضادات أكسدة قوية تساهم فى التخلص من الشوارد الحرة التى تهاجم الخلايا وتتسبب فى الإصابة بالعديد من الأمراض.
وحذرت من أن الإفراط فى استهلاك مشروبات الطاقة يؤدى إلى اضطرابات النوم والأرق المزمن، ما ينعكس سلبًا على الحالة النفسية والمزاج العام، موضحة أن هذه الاضطرابات تعوق إفراز هرمون السيروتونين المسئول عن الشعور بالسعادة والاستقرار النفسى، والذى يُفرز بصورة أساسية خلال الليل.
وأكدت أن تغير نظام النوم بسبب هذه المشروبات قد يؤدى إلى تقلبات مزاجية حادة، وقد يصل الأمر إلى الاكتئاب.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن الاعتدال فى الطعام والشراب مبدأ دينى وصحى، مستشهدة بقول الله تعالى «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا» وبحديث النبى صلى الله عليه وسلم: «بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه»، مشددة على أن الالتزام بالغذاء الطبيعى ونمط الحياة المتوازن هو السبيل الحقيقى للحفاظ على الصحة بعيدًا عن مخاطر مشروبات الطاقة.

حرام شرعًا
من جانبه أوضح الشيخ على المطيعى، أحد علماء الأزهر الشريف، أن الحكم الشرعى المتعلق بتحريم مشروبات الطاقة يرجع فى الأساس إلى رأى الأطباء والمتخصصين، فإذا أجمع أهل الاختصاص بشكل قاطع على ثبوت ضررها، فإن الحكم الشرعى يكون التحريم، استنادًا إلى القاعدة الشرعية التى تقضى بأن «الضرر يُزال» وإلى حديث النبى صلى الله عليه وسلم «لا ضرر ولا ضرار».
وأوضح أن الفتوى لا تُبنى على الانطباعات أو الشكوك، وإنما على درجة الضرر المثبت علميًا، مشيرًا إلى أنه لا يجوز الإفتاء بإباحة شىء ثبت ضرره، كما لا يصح الحكم بالتحريم دون دليل علمى قاطع.
وأضاف أن الحكم الشرعى يختلف باختلاف درجة الضرر، فقد يكون الشىء مكروهًا إذا كان ضرره محتملًا أو محدودًا، وقد يصل إلى الحرمة إذا كان الضرر مؤكدًا.
وأكد الشيخ على المطيعى أنه إذا ثبت بالعلم الصحيح أن مادة ما تؤدى إلى تدهور الصحة أو قد تصل إلى الوفاة، فإنها تُحكم بالحرمة دون خلاف، لأن الشريعة جاءت لحفظ النفس، وهو أحد المقاصد الأساسية للدين الإسلامى، أما فى الحالات التى لا يثبت فيها ضرر مؤكد، فإن الأصل فى الأشياء الإباحة، ولا يُعدل عن هذا الأصل إلا بدليل واضح.
وشدد على أن الفتوى الشرعية فى القضايا الصحية والغذائية لا تنفصل عن الرأى الطبى، بل تعتمد عليه اعتمادًا مباشرًا، معتبرًا أن التكامل بين العلم والدين ضرورة لحماية الإنسان من كل ما يضر صحته أو يعرض حياته للخطر.