بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

عالم سريع التغير

يشهد الشرق الأوسط في الأيام الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في حدة التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، توترٌ لا يمكن قراءته باعتباره حدثًا عابرًا أو مناوشات تكتيكية محدودة، بل هو فصل جديد في صراع طويل تتداخل فيه السياسة بالأمن، الأحلام المؤجلة بالواقع  وتنعكس ظلاله الثقيلة على الاقتصاد العالمي برمته..
فالمنطقة، التي تمثل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، تعيش حالة من القلق المستمر، منذ اكتشاف تلك الثروة الهائلة من مصادر الطاقة، حيث يمر عبر مضيق هرمز وحده ما يقرب من ثلث إمدادات النفط العالمية المنقولة بحرًا. وأي تهديد مباشر أو غير مباشر لحركة الملاحة في هذه المنطقة يترجم فورًا إلى اضطراب في الأسواق، وارتفاع في أسعار النفط، وزيادة تكلفة النقل والتأمين، وهي عناصر كفيلة بإرباك الاقتصاد العالمي الذي لم يتعافَ بعد من صدمات متلاحقة.
المناوشات الأخيرة بين واشنطن وطهران، وإن بدت حتى الآن محسوبة السقف، إلا أنها تفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدًا قد تصل إلى حد الكابوس في بعض الأحيان . فاقتصاد العالم اليوم هش، محاصر بالتضخم، ومثقل بالديون، ويعاني من سلاسل إمداد لم تستعد توازنها الكامل. وفي مثل هذا السياق، يصبح أي توتر جيوسياسي شرارة محتملة لأزمة أوسع، لا سيما في أسواق الطاقة والغذاء والعملات والذهب.
أما على مستوى الدول النامية، فتتضاعف المخاطر. فارتفاع أسعار النفط لا يعني فقط زيادة تكلفة الوقود، بل يمتد ليشمل أسعار السلع الأساسية، والنقل، والإنتاج الصناعي، وهو ما يضغط على الميزانيات العامة، ويزيد من الأعباء المعيشية على المواطنين.
ومصر ليست بمنأى عن هذه التداعيات.
فرغم ما حققته الدولة من خطوات مهمة نحو تنويع مصادر الطاقة وتعزيز الإنتاج المحلي، إلا أن الاقتصاد المصري يظل متأثرًا بحركة الأسواق العالمية. أي ارتفاع حاد في أسعار النفط أو اضطراب في حركة التجارة الدولية ينعكس مباشرة على فاتورة الاستيراد، وعلى معدلات التضخم، وعلى سعر الصرف.
كما تواجه مصر تحديًا إضافيًا يتمثل في الحفاظ على استقرار السوق الداخلية في ظل موجات القلق الإقليمي، فالمستثمر بطبيعته شديد الحساسية تجاه المخاطر الجيوسياسية، وأي تصعيد طويل الأمد في المنطقة قد يؤثر على تدفقات الاستثمار والسياحة، وهما من الروافد الأساسية للاقتصاد الوطني.
لكن التحدي الأكبر يظل سياسيًا-اقتصاديًا في آن واحد: كيف تحافظ مصر على توازن دقيق بين موقعها الجغرافي المحوري، وعلاقاتها الدولية المتشابكة، ومصالحها الاقتصادية الداخلية؟
الإجابة تكمن في استمرار سياسة الدولة القائمة على تنويع الشراكات، وتعزيز الإنتاج المحلي، وعدم الارتهان الكامل لتقلبات الخارج، مع قراءة واعية للمشهد الإقليمي بعيدًا عن الانفعال أو المجازفة.
في النهاية، يمكن القول إن المناوشات بين أمريكا وإيران ليست مجرد صراع ثنائي، بل اختبار جديد لقدرة العالم على إدارة أزماته دون الانزلاق إلى فوضى اقتصادية أوسع. أما مصر، فهي مطالبة – كعادتها – بالتحرك بعقل الدولة، لا بردة الفعل، وبالاعتماد على ما تملكه من أدوات سياسية واقتصادية تخفف من وقع العواصف القادمة.
فالعالم يتغير، والمنطقة تموج بالتحولات، والاقتصاد لا يعترف إلا بالاستقرار… وهو العملة الأندر في هذه المرحلة.