بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

حين تقوى المشاعر.. هل تضعف الكرامة؟

هل تؤدي قوة المشاعر الداخلية إلى تنازلات خارجية؟
في العلاقات الإنسانية، لا تبدأ الأزمات الكبرى بصدمات واضحة أو مواقف فجة، بل غالبا ما تتسلل في صمت؛ تبدأ من الداخل، من شعور صادق، من رغبة حقيقية في القرب، من نية طيبة في الاحتواء، ثم دون أن ننتبه تتحول هذه المشاعر إلى مبررات صغيرة لتنازلات أكبر لا عن أشياء عابرة، بل عن أجزاء خفية من الذات.
ليست المشكلة في قوة المشاعر، فالمشاعر العميقة في أصلها قيمة إنسانية راقية. المشكلة حين تصبح هذه القوة الداخلية غير منضبطة بالوعي، فتبدأ في الضغط على الحدود، وتدفع صاحبها إلى تقديم ما لا يجب تقديمه، أو قبول ما لا يليق به، فقط لأن القلب سبق العقل بخطوة.
قوة المشاعر لا تُسقط الكرامة فجأة، لكنها تضعها في اختبار متكرر صامت لا يُعلن عن نفسه. فالحب الصادق لا يطلب إلغاء الذات، ولا يفرض الصمت على الألم، ولا يساوم الإنسان على احترامه لنفسه .. لكن الخلط بين الحب والخوف يجعل المشاعر تتحول من طاقة دعم إلى عبء داخلي.
الخوف هو العنصر الخفي في هذه المعادلة؛ خوف من الفقد، من الوحدة، من ألا يتكرر الإحساس، أو أن لا يأتي البديل، وتحت تأثير هذا الخوف يعيد الإنسان تعريف ما كان يرفضه، ويمنح الأعذار لما كان يؤلمه، ويتنازل خطوة بعد خطوة، وهو يظن أنه يُنقذ العلاقة، بينما هو في الحقيقة يُنهك نفسه.
الكرامة هنا لا تعني القسوة، ولا الانسحاب البارد، ولا الترفع عن الشعور .. الكرامة هي الوعي بالحدود، والقدرة على التمييز بين العطاء الصحي والاستنزاف وبين الصبر الناضج والتغاضي المؤذي. هي أن تحب وأنت حاضر بذاتك، لا غائب عنها.
وحين تتحول الكرامة إلى شعارات جامدة، أو ردود أفعال حادة، أو انسحابات مسرحية؛ فإنها تفقد معناها الحقيقي. كرامة بلا مشاعر ليست قوة، بل جدارا ً عازلا ً، كما أن مشاعر بلا كرامة ليست حباً ، بل تعلقا ً يستهلك صاحبه ببطء.
أخطر التنازلات هي تلك التي لا تُرى وتبدو في لحظتها بسيطة، مؤقتة، قابلة للتبرير ؛ لكنها مع الوقت تتراكم، حتى يستيقظ الإنسان وقد ابتعد عن نفسه أكثر مما يظن، ويشعر أنه لم يعد كما كان، ولا يعرف متى بدأ هذا التغيّر.
العلاقة الصحية لا تضع الإنسان أمام معادلة قاسية يختار فيها بين قلبه وكرامته. 
العلاقة الناضجة تحمي الاثنين معا ً، لتجعل المشاعر مصدر أمان، لا وسيلة ضغط، والكرامة إطارا ً للحب، لا عائقا ً أمامه.
إن كنت تشعر اليوم أن مشاعرك تدفعك إلى التنازل أكثر مما تحتمل، فتوقف قليلا ً لا لتُقسي قلبك، بل لتُعيد النظر في موقعك من العلاقة. واسأل نفسك بهدوء: هل ما أقدمه نابع من حب واعٍ  أم من خوف صامت؟ هل ما أقبله يُشبهني أم يُبعدني عن نفسي خطوة أخرى؟
تذكّر أن العلاقة التي تُربك كرامتك ليست اختبار حب؛ بل اختبار وعي، وأن من يحبك بحق لا يضعك في زاوية الاختيار بين قلبك ونفسك. 
لا تخشي أن تبطئ، أن تُعيد ترتيب حدودك، أو أن تقول “لا” في اللحظة التي تشعر فيها أن “نعم” ستكلفك احترامك لذاتك، بمعني أن تُحب بقلبك كاملا ً، لكن لا تُسلّمه بلا بصيرة.
وتَمَسّك بكرامتك، لا بوصفها حاجزا ً ضد الحب، بل بوصفها الجدار الذي يحميه من الانهيار.
فأجمل العلاقات هي تلك التي لا تطلب منك أن تتنازل عن نفسك لتبقى.