بضعةٍ رسول الله ﷺ.. حب السلف والخلف لسيدنا الحسين رضي الله عنه
من المعروف سلفًا وخلفًا أن الحديث عن سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنهما ليس حديثًا عن شخصية تاريخية عابرة، بل هو حديثٌ عن بضعةٍ من رسول الله ﷺ، وعن روحٍ سرت فيها أنوار النبوة، وتجسدت فيها معاني البطولة والفداء.
الحديث عن سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنهما
وسيدنا الحسين هو الغصنُ الزاكي من الشجرة النبوية المباركة، مجمعُ الفخار، وسليلُ الأطهار، فاسمه ونسبه هو الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بنِ هَاشِمِ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ بنِ قُصَيٍّ، وأمه هي سيدة نساء العالمين البتولُ الزهراء فاطمةُ بنتُ رَسُول اللهِ ﷺ، وأمها الطاهرة خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدِ بنِ أَسَدِ بنِ عَبْدِ العُزَّى بنِ قُصَيِّ [متمم الطبقات الكبرى لابن سعد (١/٢٢٥)]، وقد أشرقت الدنيا بطلعته في المدينة المنورة حيث كان مَوْلِدُ سيدنا الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ رضي الله عنهما فِي الخَامِسِ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ [أسد الغابة لابن الأثير (٢/٢٥)]
في حِجر النبوة (التسمية والنشأة)
تولى جده المصطفى ﷺ تربيته وتسميته، فكانت نشأته نفحةً سماويةً وتوجيهًا نبويًا خالصًا، فلم يكن اسمه اختيارًا عابرًا بل وحيًا واختيارًا نبويًا؛ فقد ورد عَنْ عَلِيِّ بنِ أبي طالب قَالَ: لَمَّا وُلِدَ الحُسَيْنُ سَمَّيْتُهُ حَرْبًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «أَرُونِي ابْنِي، مَا سَمَّيْتُمُوهُ؟» قَالَ: قُلْتُ: حَرْبًا، قَالَ: «بَلْ هُوَ حُسَيْنٌ» [أخرجه أحمد في فضائل الصحابة برقم ١٣٦٥، والحاكم في المستدرك ٤٧٧٣]، وكنيته: أَبُو عَبْدِ اللهِ، وقد عق عنه النبي ﷺ كما ورد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَقَّ عَنِ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ كَبْشًا كَبْشًا" [أخرجه أبو داود في سننه برقم ٢٨٤١].
ميراثُ العلم (الرواية والدراية)
كان سيدنا الحسين وعاءً للعلم، فقد نهل من المعين الصافي ونقل الهدي النبوي، فروى الحسين بن علي عن جده النبي ﷺ وروى أيضًا عن أبويه (سيدنا علي وسيدتنا فاطمة) وعن سيدنا عمر بن الخطاب وآخرين رضي الله عنهم أجمعين.
وقد روى عن الحسين بن علي: ولداه سيدنا عليّ والسيدة فاطمة وعبيد بن حنين وهمام الفرزدق وعكرمة والشعبي وطلحة العقيلي وابن أخيه زيد بن الحسن وابنته سكينة وآخرون [سير أعلام النبلاء للذهبي )٣/ ٢٨٠)].
روى البخاري عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَيَقُولُ: «إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ». [أخرجه البخاري في صحيحه برقم: ٣٣٧١]، وكان رضي الله عنه كثير الشبه بجده المصطفى ﷺ، فقد روى البخاري عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: "كَانَ أَشْبَهَهُمْ (أي أشبه أهل بيته به) بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ مَخْضُوبًا (أي مصبوغًا) بِالْوَسْمَةِ (نبات يميل إلى سواد يصبغ به)" [أخرجه البخاري في صيحه برقم: ٣٧٤٨].
وعن القرب المكاني والمكانة روى مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: "لَقَدْ قُدْتُ بِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، بَغْلَتَهُ الشَّهْبَاءَ. حَتَّى أَدْخَلْتُهُمْ حُجْرَةَ النَّبِيِّ ﷺ، هَذَا قُدَّامَهُ وَهَذَا خلفه". [أخرجه مسلم في صحيحه برقم: ٢٤٢٣]،
وهو رضي الله عنه ريحـانةُ القلب كما روى الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا» [أخرجه الترمذي في سننه برقم: ٣٧٧٠]،
وقد تجلى ذلك في الشفقة النبوية فعن بريدة قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُنَا إِذْ جَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْمِنْبَرِ، فَحَمَلَهُمَا وَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «صَدَقَ اللهُ ﴿إِنَّمَاۤ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةࣱۚ﴾، نَظَرْتُ إِلَى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ، فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ حَدِيثِي وَرَفَعْتُهُمَا». [أخرجه الترمذي في سننه برقم: ٣٧٧٤]، وكان هذا الحبُّ متصلًا بحب الله، فقد روى الترمذي عن أسامة بن زيد قال: طَرَقْتُ النَّبِيَّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي بَعْضِ الْحَاجَةِ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى شَيْءٍ لَا أَدْرِي مَا هُوَ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ حَاجَتِي، قُلْتُ: مَا هَذَا الَّذِي أَنْتَ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ؟ فَكَشَفَهُ فَإِذَا حَسَنٌ وَحُسَيْنٌ عَلَى وَرِكَيْهِ، فَقَالَ: «هَذَانِ ابْنَايَ وَابْنَا ابْنَتِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُمَا» [أخرجه الترمذي في سننه برقم: ٣٧٦٩]،
أما عن الامتزاج الروحي والقلبي بين سيدنا الحسين وجده النبي ﷺ فقد ورد عَنْ يَعْلَى بْنَ مُرَّةَ: أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى طَعَامٍ دُعُوا لَهُ، فَإِذَا حُسَيْنٌ يَلْعَبُ فِي السِّكَّةِ، قَالَ: فَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَامَ الْقَوْمِ، وَبَسَطَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ الْغُلَامُ يَفِرُّ هَاهُنَا وَهَاهُنَا، وَيُضَاحِكُهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَخَذَهُ، فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ تَحْتَ ذَقْنِهِ، وَالْأُخْرَى فِي فَأْسِ رَأْسِهِ فَقَبَّلَهُ وَقَالَ: «حُسَيْنٌ مِنِّي، وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ، أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا، حُسَيْنٌ سِبْطٌ مِنَ الْأَسْبَاطِ» [أخرجه ابن ماجه في سننه برقم: ١٤٤].
وتوجت هذه المناقب ببشارات الجنة وشهادة التطهير الإلهي، فقد ورد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ» [أخرجه الترمذي في سننه برقم: ٣٧٦٨]، وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «إِنَّ هَذَا مَلَكٌ لَمْ يَنْزِلِ الأَرْضَ قَطُّ قَبْلَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيَّ وَيُبَشِّرَنِي بِأَنَّ فَاطِمَةَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ وَأَنَّ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ» [أخرجه الترمذي في سننه برقم: ٣٧٨١]، وهم أهل الكساء كما روى مسلم عن عائشة قالت: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ، مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ. فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ. ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ. ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا. ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ. ثُمَّ قَالَ: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيرا» [أخرجه مسلم في صحيحه برقم: ٢٤٢٤].
الحسين رضي الله عنه في عيونِ الأصحاب (الأدب والتوقير)
كان صحابة رسول الله ﷺ أعرف الناس بقدر سيدنا الحسين رضي الله عنه يحفظون فيه وصية جده ﷺ ويجلونه إجلال الملوك بل وأكثر، فقد تجلى هذا التوقير في أعلى مستوياته عند سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فمن الناحية المادية، حينما دوّن الدواوين، لم يعامله معاملة الصغار، بل ألحقه هو وأخاه الحسن بفريضة أبيهما مع أهل بدر؛ رعايةً لقرابتهما من رسول الله ﷺ، قال الحافظ ابن سعد: "فرض -أي عمر- لأبناءِ البدريّين ألفين ألفين إلّا حَسَنًا وحُسَيْنًا فإنّه ألحقهما بفريضة أبيهما لقرابتهما برسول الله ﷺ" [الطبقات الكبرى (٣/ ٢٧٦)].
ولم يقف الأمر عند العطاء المادي، بل تجلى في التواضع والأدب الجم؛ فقد روى الحسين رضي الله عنه موقفاً مهيباً حين صعد إلى عمر وهو على المنبر قائلًا: "انزِلْ عَنْ مِنْبَرِ أَبِي، وَاذْهَبْ إِلَى مِنْبَرِ أَبِيْكَ"، فما كان من عمر إلا أن صدّقه بتواضع وقال: "إِنَّ أَبِي لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْبَرٌ!"، ثم أجلسه معه، وسأله بحب: أَيْ بُنَيَّ! مَنْ علَّمَكَ هَذَا؟ فقال له الحسين: مَا عَلَّمَنِيْهِ أَحَدٌ، وهنا قال عمر كلمته الخالدة التي تقطر حبًا واعترافًا بالفضل: "أَيْ بُنَيَّ! وَهَلْ أَنْبتَ عَلَى رُؤُوْسِنَا الشَّعْرَ إِلَاّ اللهُ ثُمَّ أَنْتُم!"
وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، تكريمًا له، ثم دعاه لزيارته وغشيان مجلسه قائلًا وَقَالَ: "أَيْ بُنَيَّ! لَوْ جَعَلْتَ تَأْتِينَا وَتَغْشَانَا". [سير أعلام النبلاء (٣/ ٢٨٥)]
وعلى هذا النهج سار كبار الصحابة وعلماؤهم؛ فهذا حبر الأمة عبد الله بن عباس -على جلالة قدره وكبر سنه- كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَأْخُذُ الرِّكَابَ (ما يوضع على ظهر الخيل) لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ إِذَا رَكِبَا، وَيَرَى هَذَا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ. [البداية والنهاية (١١/ ١٩٣)].
أما عن محبة الناس لهما، فقد ورد أن الحسن والحسين رضي الله عنهما كَانَا إِذَا طَافَا بِالْبَيْتِ يَكَادُ النَّاسُ يُحَطِّمُونَهُمَا مِمَّا يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِمَا لِلسَّلَامِ عَلَيْهِمَا، رضي الله عنهما وَأَرْضَاهُمَا". [البداية والنهاية (١١/ ١٩٣)]، وقد توّج سيدنا عمرو بن العاص هذه المكانة بشهادة بليغة حين رأى الحسين مقبلاً وهو جالس في ظل الكعبة، فقال: "هَذَا أَحَبُّ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَى أَهْلِ السَّمَاءِ" [أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم: ٣٠٦٥٠]، ومع كل هذا الشرف والمكانة العالية والنسب الشريف، لم يتكل سيدنا الحسين رضي الله عنه على ذلك، فقد كان رضي الله عنه مجتهدا عابدًا زاهدًا، فكان رضي الله عنه فاضلا كثير الصوم والصلاة والحج والصدقة وأفعال الخير جميعها. [أسد الغابة في معرفة الصحابة (٢/ ٢٠)].