مفهوم ومنهج علم أصول الفقه
من المقرر شرعًا أن أصول الفقه هو المنهج الذي حدد فيه المسلمون طريقة فهم النص وعرفوه بما اشتمل على تحديد مصادر البحث، وطرق البحث، وشروط الباحث.
علم أصول الفقه
وأصول الفقه هو المنهج الذي حدد فيه المسلمون طريقة فهم النص حيث عرفوه بما اشتمل على تحديد مصادر البحث، وطرق البحث، وشروط الباحث، وهي عين أركان المنهج العلمي عامة.
فيما بعد، عرفه البيضاوي بأنه: معرفة دلائل الفقه إجمالًا وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد.
النظريات السبع للفكر الأصولي
ومر الفكر الأصولي بخطوات سبعة يمكن أن نطلق عليها النظريات السبعة وتفصيلها فيما يأتي:
النظرية الأولى، هي نظرية الحجية:
ما الحجة التي نأخذ منها الأحكام؟ هذا هو السؤال الأول، وكانت الإجابة عليه هي أننا نأخذ الأحكام من القرآن باعتباره النص الموحى به المعصوم من التحريف، المنقول إلينا بالنواتر، وباعتباره كلمة الله الذى نؤمن بأنه الخالق وأننا ملتزمون في هذه الحياة الدنيا بما أمر ونهي (افعل أو لا تفعل) وأن هذه الأحكام مقياس المؤاخذة في يوم آخر يرجع فيه البشر إلى خالقهم للحساب (العقاب والثواب)، ومن هنا يتضح لنا استمداد أصول الفقه من علم الكلام، فإذا كان القران هو المصدر والأساس للتشريع تأتي السنة مبينة ومتممة للقران، حيث ثبت أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مبلغ عن ربه. وأن الأمر متوجه لطاعة ذلك الرسول واعتبار عصمة بيانه عن الخطأ.
والنظرية الثانية، هي نظرية الإثبات:
وهي مكونة من رؤية كاملة إلى قضية نقل النص شفاهة عبر الناقلين، وما استلزم هذا من إيجاد علوم خادمة من الجرح والتعديل للرواة ومن علم مصطلح الحديث وعلوم القراءات لنقل وضبط النص الشرعي، وبهذه العلوم تم التثبت من النقل، فبعد مرحلة بيان الحجية تأتى مرحلة إثبات ما قد تبين أنه حجة، وقد يظهر في هذا البيان دور ولكن ينفك الدور لانفكاك جهة الإثبات، فالحجية للقرآن والسنة جاءت في أغلبها وأساسها من أدلة عقلية، ثم ثبوت القرآن والسنة حمل من واقع للنقل مضبوط بأدلة نقلية.
أما النظرية الثالثة، فهي نظرية الفهم:
كيف نفهم القرآن الحجة الثابت لدينا؟ فنحن أمام نص اعتبرناه حجة، ثم أثبتناه بطريق يطمئن إليها العلماء طبقًا لمنهج علمي مستوفٍ لشروطه، ولقد وضع الأصوليون لذلك أدوات تحليل وفهم للنص، مستمدين هذا من مجموع اللغة وقواعدها ومفرداتها وخصائصها من ناحية، وكذلك من مجموع الأحكام الفقهية المنقولة والشائعة من ناحية أخرى، والحاصل أن هذه المرحلة في بناء أصول الفقه مرحلة مهمة للغاية. وتمثل لبنة من لبنات الأصول بغض النظر عن اختلاف المجتهدين والمدارس الفقهية في بناء تلك الأدوات.
والنظرية الرابعة، هي نظرية القطعية والظنية:
بعد أن تم تحديد المصدر وحجيته وإثباته وفهمه، واجهت الفقهاء مشكلة القطعية والظنية.
حيث إن الاكتفاء بهذه الأدوات يجعل مساحة القطعي أقل مما ينبغي، مما أوجد مشكلة حقيقية، استوجبت القول بالإجماع كدليل يوسع من مساحة القطعي، ويخرج ظني الدلالة من ظنيته إلى إطار القطع، فالأدوات اللغوية وحدها لا تكفي لنفسر قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ} [المائدة: ٦] حيث الفاء للتعقيب بما يمكن أن يفيد أن الوضوء بعد الصلاة أي إذا ادعى مدع هذا، لم يكن لدينا بمحض الأدوات اللغوية ما يمكن إيقافه، ومن هنا كان لابد من الاعتماد على الإجماع الذى يخرج المسألة من دور الظنية إلى القطعية بحيث لا بمكن في ظل هذا النسق المتضمن للإجماع ان يقال: إن الوضوء بعد الصلاة.
وفهم قضية الإجماع في هذا الإطار يحرر كثيرًا من الخلاف حول المسألة، ويجمل كلام المؤيدين ذا معنى واضح، وفائدة مرجوة، ونظرية القطعية والظنية هذه سيكون لها أكبر الأثر في قضايا الخلاف الفقهي ومسألة الاجتهاد والإفتاء.
اما النظرية الخامسة، فهي نظرية الإلحاق:
وإذا تم تحديد الحجية وإثباتها وفهمها في إطار ألقطعية والظنية، فإن النصوص المحدودة بلفظها - عند إيقاعها على الواقع النسبي المتغير - لا تشتمل على كل الحوادث، ومن هنا جاءت نظرية الإلحاق التي أخذت في مضمونها أشكالًا متعددة، كالقياس وكإجراء الكلي على جزئياته، أو تطبيق المبدأ العام على أفراده، فالكل - حتى الظاهرية - قائلون بما يمكن أن نسميه الإلحاق وإن أنكروا هيئة مخصوصة منه وهو القياس.
والنظرية السادسة، هي نظرية الاستدلال:
والتي رأى الأصولي فيها مجموعة من المحددات كالعرف والعادة وقول الصحابي وشرع من قبلنا ونحوها تؤثر بمعنى أو بآخر في الوصول إلى الحكم الشرعي.
مما ادعى معه بعضهم أنها أدلة، وأنكرها آخرون فسميت: الأدلة المختلف فيها
أما النظرية السابعة، فهي نظرية الإفتاء:
التي تشتمل على ذكر المقاصد الشرعية والتعارض والترجيح مع شروط الاجتهاد والإفتاء، بحيث لا يتعداها، ومراجعة حكمه إن تعداها حتى يتسق معها بحيث لا تتكرر الأحكام على المقاصد بالبطلان لما فيها من عكس ألمطلوب.
إن هذه النظريات السبع والدخول إلى علم الأصول من خلالها تبرر كثيرًا من المسائل التي يظن طالب ذلك العلم عدم جدواها ببادئ النظر، كما أنها تبني إطارًا معرفيًا مناسبًا للتحليل والدرس، وهي ايضًا تكوّن المعيار الأمثل لتبني الآراء الأصولية أو تعديلها، وكذلك تمكن من تشغيل وتفعيل ذلك العلم.
الخلاصة
أصول الفقه هو المنهج الذي حدد فيه المسلمون طريقة فهم النص وعرفوه بما أشتمل على تحديد مصادر البحث، وطرق البحث، وشروط الباحث وقد مر الفكر الأصولي بخطوات سبعة يمكن أن نطلق عليها النظريات السبعة، الأمر الذي يجعل من أصول الفقه علمًا منهجيًّا مرنًا ودقيقًا لتحليل الأحكام الشرعية.