بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

سيكولوجية القتل وناقوس الخطر

لقد هالنى حجم ما ينشر عن جرائم القتل واستباحة الدماء، وأكثر ما أزعجنى ويزعجنى ما ينشر عن بعض حالات القتل داخل الأسرة الواحدة بين الأبناء والآباء أو الإخوة أو الأزواح أو غيرهم، فقد طالعت خلال أقل من ثمانٍ وأربعين ساعة ثلاث جرائم بشعة ما بين قتل أب أو أم أو أبناء، ناهيك عن استهداف الإنسان لإبادة أخيه الإنسان ببشاعة على النحو الذى نراه من محاولات إبادة للشعب الفلسطينى بأكمله ومحوه من الوجود. 
ولم يؤكد الإسلام على حرمة شىء تأكيده على حرمة الدماء وضرورة عصمتها , بل إن حرمة الدماء مما أجمعت عليه جميع الشرائع السماوية، وقد قال سيدنا عبدالله بن عباس فى قوله تعالى: «قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ  ذلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ»، إن ذلك من الآيات المحكمات التى أجمعت عليها الشرائع السماوية ولم تنسخ فى أى ملة من الملل. 
وقد استهل نبينا الكريم (صلى الله عليه وسلم) خطبته الجامعة فى حجة الوداع بقوله (صلى الله عليه وسلم): “إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِى بَلَدِكُمْ هَذَا، فِى شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، فَلَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِى كُفَّارًا – أَوْ ضُلَّالًا – يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ”, وقال (صلى الله عليه وسلم): ” لَا يَزَالُ الْمَرْءُ فِى فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا” (المستدرك على الصحيحين) , وعن عَبْد اللَّهِ بْن عُمَرَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، وَيَقُولُ: “مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ , وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ، مَالِهِ وَدَمِهِ، وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا”.
وقد نهى الإسلام عن قتل النفس عمدًا , أو خطأ , أو تسرعًا , فقال الحق سبحانه فى كتابه العزيز: ”وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا”.
أما القتل العمد فقد رتب عليه الإسلام ما رتب من الوعيد الشديد , فقال الحق سبحانه: “وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا”.
وردعًا لمن تسول له نفسه الإقدام على الدم الحرام شرع الإسلام القصاص , فقال سبحانه: ”وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِى الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ». 
فلا الدين ولا الإنسانية ولا الأخلاق ولا القيم ولا الأعراف ولا المواثيق الدولية ولا القوانين سماوية كانت أم وضعية أم عرفية تبيح قتل النفس أو إزهاقها أو الاعتداء عليها.
غير أننا أمام ظواهر شاذة تستحق وقفة متأنية ودراسات علمية ونفسية وأيدلوجية لهذه الوحشية التى أصابت بعض المنتمين إلى بنى الإنسان تجاه أخيه الإنسان. 
فما الذى أصاب الإنسانية من هذه الجرأة السافرة على الدماء , والإقدام على القتل حتى مع أقرب الأقربين؟! إنه لخطر كبير على مسيرة الإنسانية وأخلاقها ما لم يسرع الحكماء والعقلاء لكبح جماح هذا الانفلات المقيت.

الأستاذ بجامعة الأزهر