ما بعد الضربة أخطر من الضربة
فكرة توجيه ضربة عسكرية لإيران تُناقش اليوم بوصفها قرارا سياسيا عالى المخاطر لا بوصفها عملية عسكرية يمكن احتساب نتائجها مسبقا،ففى هذا الملف تحديدا، لا تكمن الخطورة فى تنفيذ الضربة بل فى العجز عن التحكم فى تداعياتها، وفى احتمال انتقال الصراع من مستوى الردع إلى مستوى الانفلات الإقليمى.
المؤكد أن الولايات المتحدة وحلفاءها يملكون القدرة العسكرية على توجيه ضربة مؤثرة داخل العمق الإيرانى، لكن المؤكد أيضا أن هذه القدرة لا تعنى بالضرورة امتلاك السيطرة على مسار ما بعد الضربة فإيران ليست دولة تتعامل بمنطق الرد الفورى أو المواجهة التقليدية، بل بمنطق إدارة صراع طويل النفس متعدد الجبهات منخفض الكثافة مرتفع الكلفة.
التصريح الإيرانى الأخير، الذى اعتبر أى هجوم حربا شاملة يجب أن يُقرأ خارج إطار الخطاب السياسى المعتاد، هو رسالة ردع مباشرة، هدفها الأساسى رفع كلفة القرار قبل اتخاذه وإسقاط فكرة الضربة المحدودة من الحسابات الغربية، إيران لا تقول إنها سترد بل تقول إن الضربة أيا كان حجمها ستفتح باب مواجهة بلا سقف واضح.
فى حال وقوع الضربة فإن أخطر مراحلها لن تكون لحظة التنفيذ، بل المرحلة التالية مباشرة، داخليا ستؤدى الضربة على الأرجح إلى إعادة توحيد الجبهة الإيرانية، وإنهاء أى مساحة للاحتجاج أو الضغط الداخلى، وهو ما يمنح النظام شرعية أمنية إضافية، خارجيا لن يكون الرد عبر مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة، بل عبر تحريك مسارات ضغط متزامنة فى الإقليم.
مضيق هرمز سيظل الورقة الأهم لا عبر إغلاق شامل يستدعى تدخلا دوليا، وإنما عبر تهديد محسوب لحركة الملاحة، يكفى لرفع أسعار الطاقة وإرباك الأسواق العالمية وفى الوقت ذاته ستتحرك الأطراف المرتبطة بإيران فى المنطقة ضمن نمط عمليات استنزاف، استهداف قواعد منشآت لوجستية، خطوط إمداد، وسفن دعم، دون إعلان مسئولية.
هذا النموذج من الصراع لا يستهدف الحسم بل إطالة أمد التوتر ورفع الكلفة السياسية والاقتصادية على الخصم، ودفعه إلى حالة استنزاف دائم، ومع مرور الوقت تتحول الضربة من أداة ردع إلى عبء استراتيجى يصعب الخروج منه دون خسائر..
حفظ الله مصر