مفارقات وعجائب الأوسكار
شاهدت الأفلام العشرة المرشحة لجائزة أفضل فيلم في مسابقة الأوسكار الأمريكية لعام 2026. وأكثر ما أدهشني هو أن ينال فيلم "الخطاة" Sinners - 16 ترشيحا، وهو أعلى رقم في تاريخ ترشيحات الأوسكار يحصل عليها فيلم واحد، محطما بذلك الرقم القياسي السابق وهو 14 ترشيحًا، سبق أن حصل عليها كل من "كل شيء عن حواء" (1950)، و"تيتانيك" (1997)، و"لا لا لاند" (2016). كما أنه تفوق على أقرب منافسيه هذا العام، أي فيلم الإثارة السياسية "معركة تلو الأخرى"، الذي تم ترشيحه لـ 13 جائزة.
ومع ذلك لا أتوقع أن يحصد "الخطاة" عددا كبيرا من الجوائز التي رشح لها، خصوصا في فئة أفضل فيلم وأفضل إخراج وأفضل سيناريو وأفضل تصوير، وهي الفئات الرئيسية الأربعة بالإضافة بالطبع إلى جوائز التمثيل، فلا شك أن أفلاما أخرى تتفوق عليه بشكل ملحوظ في هذه الفئات، مثل "أحلام القطار" الذي أفضله شخصيا في فئة "أفضل فيلم" عن سائر الأفلام العشرة، بسبب جدته وطابعه الفلسفي الإنساني البسيط الذي يمس قلوب المشاهدين في العالم كله، وبسبب أسلوبه السينمائي البديع المبتكر في السرد.
ويتفوق على "الخطاة" في السيناريو فيلم "القيمة العاطفية" للمخرج النرويجي يواكيم تريير، وفيلم "هامنت" البريطاني، كما يتفوق عليه في الإخراج فيلم "فرانكنشتاين" للمكسيكي غييرمو ديلتورو.
ويبدو فيلم "العميل السري" البرازيلي أقرب إلى الفوز بجائزة أفضل فيلم دولي إن لم ينل جائزة أفضل ممثل في دور رئيسي لبطله واجنر مورا مع منح الجائزة إلى الفيلم الإيراني الضعيف، "كان مجرد حادث" لجعفر بناهي، فقط لمجرد أنه أحد أفلام الهجاء السياسي ضد السلطات الإيرانية جريا على نهج الأفلام "الصغيرة" التي يصنعها مخرجه وتلقى عادة اهتماما كبيرا في الغرب لأسباب لا علاقة لها بفن السينما، بل بالانحيازات السياسية المسبقة. وطبقا لهذه الانحيازات يمكن أيضا أن تذهب جائزة أفضل فيلم إلى الفيلم السياسي الذي رأيته عملا فجا ومباشرا ومفككا، وهو فيلم "معركة تلو الأخرى"، وربما يحصل بطله ليوناردو دي كابريو على جائزة أفضل ممثل!
المشكلة أن هناك مبالغة كبيرة في منح كل هذه الترشيحات لفيلم "الخطاة"، تقريبا في جميع الفئات التي يمكن أن تخطر على البال: أفضل فيلم، وأفضل إخراج، وأفضل سيناريو أصلي، وأفضل تصوير سينمائي، وأفضل ممثل، وأفضل ممثلة مساعدة، وأفضل ممثل مساعد، وأفضل مونتاج، وأفضل موسيقى تصويرية، وماكياج وتصميم أزياء وتصميم إنتاج، وصوت، ومؤثرات بصرية، وأفضل اختيار للممثلين، وأفضل أغنية أصلية. لدرجة أن أصبحت النكتة هي "لماذا لم يرشح لجائزة أفضل فيلم "رسوم متحركة" أيضا!
لا شك أن هذه الترشيحات تأتي على خلفية الضجة التي أثيرت قبل سنوات قليلة من جانب جماعات الأمريكيين السود داخل تجمعات هوليوود الذين اتهموا الجهة التي تعلن ترشيحات وتمنح جوائز "الأوسكار" بالانحياز للسينمائيين والفنانين البيض مع تجاهل أو تهميش إنجازات السود.
مشكلة فيلم "الخطاة" أنه يطرق مجددا موضوع العنصرية ولكن من خلال "ثيمة" استهلكت كثيرا هي ثيمة فيلم الرعب الذي يدور حول أسطورة "مصاصي الدماء". وهو يبدأ بداية قوية، إلا أنه يتجه في نصفه الثاني في اتجاه فيلم الرعب بحيث يجعل رسالته معكوسة، فهو يجعل مصاصي الدماء هم رسل العدل والمساواة بين البشر، الذين يوحدون الناس من كل الأجناس والألوان من دون تفرقة، بل ويكفلون لمن ينضم إليهم أو يتمكنون هم من ضمه إليهم، الخلود. وهي فكرة غير مقنعة بالطبع، ناهيك عن عدم التأصيل سينمائيا لها بدرجة كافية، بل يصبح من يتصدى لهم ويفتك بهم واحدا بعد الآخر، هو البطل الذي يتماهى معه الجمهور ويصفق.
ومع ذلك فالفيلم يظل عملا جديرا بالمشاهدة فهو يتمتع بحيوية كبيرة بفضل الموسيقى والإيقاعات ومشاهد الرقص المصممة جيدا، واستخدامه البارع لموسيقى البلوز والغناء الشعبي الأيرلندي.