غضب أكاديمي من ضوابط استخدام أساتذة الجامعات لوسائل التواصل الاجتماعي
آثارت ضوابط استخدام أساتذة الجامعات لوسائل التواصل الاجتماعي المحددة في دليل النزاهة الأكاديمية وأخلاقيات البحث العلمي حالة من الغضب بين أعضاء هيئة التدريس بالجامعات.
وأعلن المجلس الأعلى للجامعات دليل النزاهة الأكاديمية وأخلاقيات البحث العلمي متضمنا العديد من الموضوعات منها فصل خاص بأخلاقيات استخدام مواقع التواصل الاجتماعي.
وقدم الدكتور محمد كمال، أستاذ القيم والأخلاق المهنية المساعد جامعة القاهرة، قراءة تحليلية قانونية وأخلاقية لضوابط استخدام أعضاء هيئة التدريس لوسائل التواصل الاجتماعي في دليل النزاهة الأكاديمية وأخلاقيات البحث العلمي.
وقال إن حسن نية واضعي هذا الفصل مما لا شك فيه، ورغبتهم في ظهور عضو هيئة التدريس بالصورة اللائقة أمر مؤكد، غير أن عدم الاستعانة بأساتذة الجامعات من المتخصصين في أخلاقيات المهنة، وأخلاقيات البحث العلمي، والمتخصصين في القانون، وهم كثر قد أدى لهذه النقاط التي تستوجب تعديلاً حتى يظهر الميثاق بالصورة اللائقة بالجامعات المصرية.
تحليل ضوابط استخدام أساتذة الجامعات لوسائل التواصل الاجتماعي
1- يعاني تنظيم أخلاقيات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من أزمة هوية فهو يتأرجح بين كونه نصائح أخلاقية، أو لائحة إدارية، أو قانون عقوبات مصغر. فالأصل في الأستاذ الجامعي هو التمتع بالحرية الأكاديمية التي تعني وجوب قيامه بإنتاج المعرفة ونشرها ونقد الأوضاع القائمة دون خوف من التنكيل.
2- القواعد الواردة بهذا الفصل تخالف المادة 92 من الدستور التي تنص على أن "الحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن لا تقبل تعطيلاً ولا انتقاصاً، ولا يجوز لأي قانون ينظم ممارسة الحقوق والحريات أن يقيدها بما يمس أصلها وجوهرها"، فقيد الميثاق الأصل الدستوري وهو حرية التعبير وجعل الاستثناء وهو الموافقة المسبقة هو القاعدة.
3- المادة 6، 9 ، 27 ، 29 من القواعد تتعارض مع المواد 65 ، 66 من الدستور الخاصة بحرية الرأي والتعبير، وحرية البحث العلمي حيث تفرض رقابة سابقة على الإنتاج الفكري، ورقابة يحظرها الدستور على ما ينشره الأفراد.
4- المادة 27 التي تمنع التواصل إلا مع شخصيات معروفة مسبقا والمادة 22 التي تتدخل في المحادثات الشخصية تنتهك حرمة الحياة الخاصة التي كفل الدستور سريتها ولا يجوز تقييدها إلا بحكم قضائي وكذلك حرمة المراسلات وهو ما يتعارض بشكل جذري مع المادة 57 من الدستور وتدخل غير مبرر ولا مقبول في الخصوصية الرقمية.
5- التداخل التشريعي وعوار التكرار العقابي: فالبنود 24 الخاصة بعدم اختراق حسابات الآخرين، والمادة 25 الخاصة بنشر الفيروسات، والمادة 28 الخاصة بعدم الإغراق الإلكتروني هي كلها أفعال مجرمة بموجب قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 75 لسنة 2018 وبالتالي لا مجال لوضعها في ميثاق أخلاقي أقل قوة. بل ويخلق نظام عقابي موازي للقضاء حيث يمكن محاكمة مرتين على نفس الفعل جنائيا أمام القضاء وتأديبيا أمام الجامعة وهو ما يخالف القاعدة التشريعية بعدم جواز معاقبة الشخص عن ذات الفعل مرتين.
6- المادة 6 من القواعد التي تنص على الحفاظ على صورة الجامعة وسمعتها بتجنب نشر أي محتوى يسبب الإساءة والضرر بها تتعارض مع قانون تنظيم الجامعات الذي يكفل نقد الأداء فأي مسؤول سيعتبر أي نقد لأي خطأ هو إساءة للجامعة وإضرار بها.
7- وقع الميثاق في فخ المصطلحات المطاطة غير المنضبطة باستخدام عبارات مثل القيم الأسرية، صورة الجامعة، تجنب ما يسيء للسمعة، الآداب العامة، وهي ألفاظ فضفاضة تضع الجميع تحت طائلة المخالفة فمثلا لو نشر أستاذ جامعي بوست يشيد فيه بفيلم سينمائي مثير للجدل قد تعتبر إدارة الجامعة ذلك مخالفًا للقيم الأسرية وتحيله للتحقيق، هنا يمنح الميثاق الإدارة سلطة التفتيش في الضمائر. كذلك إذا انتقد أستاذ ضعف الرواتب أو سوء حالة المدرجات أو المعاملة فإن ذلك يعتبر بناء على م 6 إساءة لصورة الجامعة بينما هو في الحقيقة نقد بناء لتطويرها.
8- تمنع الضوابط عضو هيئة التدريس من إبداء رأيه أو تصحيح المعلومات وتوعية المجتمع في أي موضوع يتعلق بالمعتقدات الدينية والفكرية والسياسية والثقافية والاجتماعية لأن رأيه بالتأكيد لن يرضي جميع أفراد المجتمع مما يضعه تحت طائلة مخالفة المادة 2 من الضوابط.
9- تمنع الضوابط في المادة 4 عضو هيئة التدريس من انتقاد أي قرار يميز فئة على الأخرى مثل تمييز فئة من الطلاب على فئة أخرى وإلا اعتبر خطابه يتضمن كراهية أو تنمر، بل وقد يعتبر رفض التمييز في حد ذاته تمييز ضد من يتم التمييز لمصلحتهم وإثارة للتعصب.
10- تقف المادة 29 من الميثاق عثرة أمام التنوير ونشر المعرفة وتوسع في الحظر حيث لم تميز ما بين تقديم محتوي مرئي أو مسموع أو مكتوب يتعلق بالمقررات الدراسية التي يدرسها الطلاب في الكلية وبين الموضوعات التي توجد بهذه المقررات وتهم المواطن، وبالتالي منعت نشر العلم والمعرفة بل ويمكن أن تمنع عضو هيئة التدريس من القيام بواجبه في الحفاظ على البيئة وخدمة المجتمع. مثال ذلك أن هذا النص يمكن أن يستخدم لعقاب أستاذ طب نشر نصائح وقائية عن جائحة معينة على حسابه لأنه لم يحصل على موافقة معتمدة مما يحرم المجتمع من خبرته في وقت الأزمات. كذلك لو أن أستاذ قانون يشرح الدستور لعامة الناس عبر فيديو مجاني على فيسبوك لتبسيط المعلومة سيصبح عرضة للمساءلة.
11- تعزل المواد 19، 27 عضو هيئة التدريس عن المجال العام حيث تمنع التداخل بين الحياة الجامعية والشخصية، وتمنعه من التواصل إلا مع شخصيات معروفة مسبقًا. وهو ما يحول الأستاذ إلى موظف روتيني لا يتواصل إلا مع المعروفين له بشكل شخصي بينما التواصل الرقمي يقوم على بناء شبكات علاقات ومعارف جديدة. مثال ذلك أي باحث يرسل رسالة لأستاذ للتعلم منه أو أي أستاذ ينشر إعلان عن ندوة أو مناقشة يخالف القواعد لأنه لا توجد معرفة سابقة بين من يقوم بذلك ومن يوجه لهم الخطاب.