ميليشيات مسلحة وخرائط معقّدة.. قدرة مصر في التقدير الاستراتيجي لمواجهة الصراعات الحديثة
في عالم تتغير فيه طبيعة الصراعات، لم تعد التهديدات تقتصر على حروب تقليدية بين جيوش نظامية، بل تحوّلت إلى مواجهات معقدة تقودها جماعات مسلحة عابرة للحدود، تعمل على تقويض مؤسسات الدولة وإعادة رسم خرائط النفوذ بالقوة.
وفي هذا السياق، برزت تحذيرات الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ توليه قيادة الدولة المصرية عام 2014، كجزء من رؤية شاملة تستند إلى فهم عميق لطبيعة الصراعات الحديثة، وتجارب دولية دفعت أثمانًا باهظة نتيجة الاستهانة بخطر هذه التنظيمات.
قدرة استراتيجية ورسائل مدروسة
وأكد اللواء مصطفى زكريا، الخبير العسكري، أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يتمتع بقدرة عالية على التقدير الاستراتيجي، تظهر بوضوح في خطاباته وكلماته منذ توليه المسؤولية، مضيفًا أن الرئيس لا يتحدث من منطلق رد الفعل، بل يعتمد على قراءة واعية للمشهدين الإقليمي والدولي، ما ينعكس في رسائل تحذيرية مدروسة يوجّهها في توقيتات دقيقة.
وأشار زكريا إلى مهارة الرئيس في التواصل مع الرأي العام، وإبرازه خطورة الميليشيات المسلحة، مؤكّدًا أن هذه الجماعات لا تمثل مجرد تهديد أمني، بل خطرًا وجوديًا على استقرار الدول ووحدة أراضيها.
الميليشيات وإعادة رسم الخرائط بالقوة
وأوضح الخبير العسكري أن الرئيس السيسي وصف الميليشيات بأنها «الطبعة الجديدة لتمزيق الخرائط»، في إشارة إلى دورها في تفكيك الدول وإعادة تشكيلها بالقوة المسلحة.
وأشار إلى أن هذه الجماعات أصبحت أداة رئيسية في صراعات إقليمية ودولية معقّدة، سواء على نطاق واسع أو داخل حدود الدولة الواحدة، وهو ما يؤدي إلى إطالة أمد النزاعات وتعقيد فرص الحل السياسي.
دروس من تجارب دولية
وأكد زكريا أن التجارب الدولية أثبتت أن السماح بانتشار الميليشيات المسلحة كان قرارًا كارثيًا في العديد من الدول، حيث دفعت هذه الدول ثمنًا باهظًا لاحقًا، إذ انقلبت التنظيمات على الدولة نفسها وهددت كيانها ومؤسساتها، محدثة فوضى يصعب السيطرة عليها.
وأوضح أن بعض الدول ندمت بشدة على هذا الخيار، واضطرت لاحقًا إلى الدخول في صدامات دموية مع هذه الكيانات المسلحة، انتهت بتصفية أو إقصاء هذه الجماعات بعد أن أصبحت تهديدًا مباشرًا لبقاء الدولة.
مصر نموذج الدولة القوية
واختتم اللواء مصطفى زكريا تصريحاته بالتأكيد على أن مصر تمثل حالة فريدة في المنطقة، إذ استطاعت، رغم تحديات جسيمة خلال أحداث 2011، أن تستعيد قوتها واستقرارها خلال 30 شهرًا فقط.
وأرجع ذلك إلى تماسك مؤسساتها الوطنية، ووعي قيادتها السياسية، وقدرتها على مواجهة الفوضى ومنع تفكك الدولة، لتصبح نموذجًا يُحتذى به في الحفاظ على كيان الدولة الوطنية في مواجهة أخطار الميليشيات والفوضى المسلحة.