مراجعات
قِبلة ترضاها!
بين فترة وأخرى، هناك لحظات تأمل كبرى، لا تُستدعى فيها الوقائع التاريخية بوصفها أحداثًا انتهت، بل باعتبارها انعكاسًا كاشفًا للحاضر.. وللمستقبل.
في الذاكرة الإسلامية، تمثل ذكرى تحوُّل القِبلة، من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، لحظة فارقة، إذ لم تكن مجرد تغيير في اتجاه الصلاة، بل إعلانًا سياديًّا عن استقلال المرجعية، وتحرر الإرادة، وبناء هوية تستمد مشروعيتها من السماء.
لقد كان هذا التحوُّل التاريخي العظيم، في العام الثاني للهجرة النبوية المباركة، اختبارًا مهمًا للطاعة واليقين، ولحظة حاسمة بين مَن يتبع الحق حيثما يتجه، ومَن يظل مشدودًا بإرادته أو مُرغَمًا، إلى قِبلة الشيطان!
الآن، بعد قرون من «التحوُّل العظيم»، يبدو ثمة قِبلة أخرى، ليست بنصٍّ سماويٍّ أو بوحيٍ، وإنما بقوة سياسية وعسكرية واقتصادية.. قِبلة تتجه غربًا، حيث البيت الأبيض، الذي بات كعبة القرار السياسي لكثير من زعماء العرب والمسلمين.. إليها تُشدُّ الرحال، وتُخفَض الرؤوس، وتُعلَّق الآمال، وتُرسم السياسات قبل أن تُناقش!
في التحوُّل الأول للقِبلة، خرج المسلمون من عباءة التبعية الرمزية، لتأسيس مركزهم الروحي، أما في التحوُّل الثاني المعاصر، فنحن أمام تبعية مكتملة الأركان.. قِبلة لا تُصلَّى لها ركعتان، بل تُقدَّم عندها التنازلات، وتُرفع فيها رايات «الواقعية السياسية»، كما تُتْلَى فيها آيات «المصلحة الوطنية» بقراءات انتقائية!
ويظل الفارق بين القِبلتين، أن الأولى وحَّدت الصفَّ، بينما الثانية مزَّقته إلى طوابير تترقب دورها في بهو الانتظار، حتى يتعطَّف ويتلطَّف سيد البيت الأبيض!
لقد كانت وستظل الكعبة المشرفة كقِبلة، رمزًا للمساواة، أما قِبلة «البيت الأبيض» فهي طبقية بامتياز.. مَن يملك أوراق الضغط يُستقبَل، ومَن لا يملك يُنصح بالصبر وضبط النفس، إذ تُوزن القضايا بانتقائية، ومدى توافقها مع «الأمن القومي الأمريكي»، كما تُقاس المآسي والفواجع بقدرتها على إزعاج الناخب الأمريكي، لا بعدد الضحايا!
اللافت أن كثيرًا من الزعماء والقادة ـ الذين يرفعون شعارات السيادة والاستقلال ـ لا يجدون حرجًا في انتظار «الضوء الأخضر» من «البيت الأبيض»، قبل اتخاذ أي قرار مصيري، وكأن العواصم العربية والإسلامية صارت زوايا أو مصلِّيات فرعية، تُقام فيها الطقوس الدينية، بينما الاتجاه الحقيقي يحدده مركز الكون في واشنطن.. حتى لغة الخطاب تغيَّرت، وبدل أن تُصاغ المفاهيم من تاريخنا وتجربتنا، تُستورَد المصطلحات الجاهزة والمعلبة بروح لا تشبهنا!
أخيرًا.. لقد علمتنا ذكرى تحوُّل القِبلة، أن التاريخ لا يرحم التردد طويلًا، فالقِبلة ليست مجرد اتجاه جغرافي، بل بوصلة قِيَمِيَّة، وحين تختل، يصبح السير دائريًّا، مهما بدا الطريق ممهَّدًا، ولذلك آن الأوان أن تكون تلك الذكرى العطرة، بمثابة تحرُّر جديد، يُعيد القرار إلى ساحته الطبيعية، ويجعل العواصم أوطانًا لا محطات انتظار.
فصل الخطاب:
يقول المفكر الأمريكي «نعوم تشومسكي»: «واشنطن ليست مجرد عاصمة دولة، بل عاصمة القرار في عالمٍ اعتاد أن ينظر إليها قبل أن ينظر إلى نفسه».