دم المصريين وتعويض الجنود.. حكاية مكالمة حساسة بين "مبارك" و"أبو الغيط"
أكد أحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية ووزير الخارجية الأسبق، أن كتابيه "شاهد على الحرب والسلام" و"شهادتي" صدرا كما كتبا أول مرة، من دون أي تنقيح أو إعادة صياغة لاحقة، حرصًا على أن يظلا شهادة صادقة للحظة التاريخية التي دونا فيها.
وأوضح خلال الندوة التي أقيمت على هامش معرض الكتاب في دورته ٢٠٢٦، أن ما تتضمنه الصفحات يعكس ما رآه وعايشه في حينه، مع اعترافه بوجود أمور كان يمكن توسيعها أو التعليق عليها، إلا أنه فضل أن تترك الإضافات المحتملة لعمل جديد إذا سمحت بذلك صحته ووقته وقدرته على الكتابة.
شدد أبو الغيط على أن بعض الموضوعات التي تناولها لا تحتاج إلى تصحيح، بل إلى استكمال وتعقيب في المستقبل، لافتًا إلى أنه التزم بعدم كتابة بعض الأحداث حماية للدولة والمجتمع، لا حفاظًا على صورته الشخصية.
وأشار إلى أن هناك تفاصيل لا يجوز كشفها حتى لا تلحق ضررًا بمصر أو بمؤسساتها، مؤكدًا أن هاجسه الأول كان ألّا يقترب ما يدوّنه من الخطوط الحمراء المرتبطة بالأمن القومي، خصوصًا في العقدين اللذين يغطيهما الكتابان.
وعند سؤاله عن قرارات سياسية اتخذت في فترة توليه وزارة الخارجية ولم يكن راضيًا عنها، استعاد واقعة مقتل ثلاثة جنود مصريين برصاص دبابة إسرائيلية، واستفسار الرئيس الأسبق حسني مبارك عما إذا كان على مصر المطالبة بتعويض مالي.
روى أبو الغيط أنه بعد التشاور مع القيادة العسكرية، رفض مبدأ "التعويض مقابل التعويض" لأن مطالبة القاهرة بتعويض ستفتح الباب أمام مطالبات إسرائيلية مماثلة مستقبلًا بأرقام قد تصل إلى ملايين الدولارات للجندي الواحد، وهو مسار رآه مضرًا بمصالح مصر طويلة الأمد.
وأوضح أنه عرض موقفه بوضوح على مبارك، وانتهى النقاش إلى توافق على عدم طلب تعويض من إسرائيل، مع تعويض الجنود المصريين داخليًا من خزينة الدولة، بعيدًا عن أي مساومة مالية مع الطرف الآخر.
ومن هذه التجربة صاغ أبو الغيط قناعة راسخة بأن المسؤول الحقيقي يجب أن يواجه قائده السياسي برأيه صراحة؛ فإن اقتنع به مضى في تنفيذه، وإن لم يقتنع ولم يعد المسؤول قادرًا على التنفيذ بضمير مرتاح، فعليه أن يضع خيار الاستقالة في اعتباره.
وبسؤاله عن قرارات مدمرة قد اتخاذها نادما عليها، أشار ابو الغيط إلى أنه لم يشعر طوال توليه حقيبة الخارجية بأنه أُجبر على تنفيذ قرار يراه مدمرًا أو يقود إلى مأساة، مؤكدًا أن الأخطاء التي قد يكون وقع فيها لا ترقى إلى مستوى الخطأ الجسيم الذي يفرض على المسؤول مغادرة موقعه فورًا. لكنه في الوقت نفسه اعتبر أن بقاء فكرة الاستقالة احتمالًا واردًا في ذهن أي مسؤول، شرط أساسي لاحترام الذات واحترام الوطن.
وفي ختام الندوة، نقل الكاتب الصحفي أسامة حجاج الذي كان أحد الحاضرين من قرّاء مذكراته انطباعًا بأن ما كتبه أبو الغيط يمنح صورة مطمئنة عن دولة تمتلك مؤسسات قادرة على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة، وأن مذكراته تبدو، مقارنة بشهادات لمسؤولين آخرين في المنطقة، أكثر أمانة في كشف ما يجري داخل مطبخ القرار المصري.
وبسؤاله عن تخطيطه لكتابة كتاب جديد يوثق رحلته في الجامعة العربية، رد أبو الغيط أن نجاح الكتابين وترجمتهما إلى عدة لغات يضاعف مسؤوليته أمام أي عمل جديد، مشيرًا إلى أنه إذا قرر أن يكتب عن تجربته في جامعة الدول العربية والفترات الحرجة التي عاشتها المنطقة خلال وجوده على رأس الأمانة العامة، فسيتعين على هذا العمل أن يضيف إلى ما سبق لا أن يكررها، وان يكون بنفس المستوي المهني.