بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

من المطبخ السري إلى منصة المعرض

" أبو الغيط" يفتح دفاتر الحرب والسلام ويكسر صمت الدبلوماسية

بوابة الوفد الإلكترونية

 

أشعل الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط الأجواء في معرض القاهرة الدولي للكتاب، حين حول ندوة مناقشة كتابيه "شاهد على الحرب والسلام" و"شهادتي" إلى جلسة اعتراف سياسية وإنسانية مفتوحة، تخطت حدود التوثيق الجاف إلى مساحة مكاشفة نادرة حول كواليس القرار في الدولة المصرية، زمن الحرب وزمن السلام

جاءت الندوات، التي شارك فيها وزير الثقافة المصري أحمد فؤاد هنو وعدد من السفراء والمفكرين، لتكرس حضورًا لافتًا لتجربة دبلوماسية نادرة انتقلت من قلب غرف القرار إلى واجهة السرد التوثيقي المكتوب بلغات العالم.

في قاعة "كاتب وكتاب" وضمن ندوة نظمتها مؤسسة "نواة للاستشارات والدعم وبناء السلام" ، استعاد أبو الغيط كواليس حرب أكتوبر، مؤكدا أنه كان يحتفظ بدفتر صغير يدون فيه ملاحظات وتفاصيل دقيقة، في وقت غلبت فيه الروايات الأمريكية والإسرائيلية على سرد وقائع الحرب بينما غاب الصوت المصري عن كثير من المشاهد المفصلية

قدم أبو الغيط الكتابين بوصفهما" شهادة عم" تمتد من ما بعد هزيمة 1967 مرورًا بحرب أكتوبر، وصولًا إلى مفاوضات السلام وتعقيدات الإقليم والعلاقات مع القوى الكبرى. سرد كيف كتب نحو ألف صفحة في عامي 2012 و2013 وسط حالة من المعاناة النفسية، بعدما شعر أن المجتمع المصري والدولة تعرضا لأذى بالغ، وأن رجالا خدموا بلدهم وجدوا أنفسهم في مرمى هجمات غير منصفة.

 قرر أن يحول دفاتره القديمة وملاحظاته الدقيقة إلى نص مكتوب، بعد إلحاح من مقربين ذكروه بأن ذاكرته الحديدية ومذكراته المتراكمة لا يجوز أن تضيع.توقف طويلًا عند البعد الإنساني، مستدعيًا رحيل صديقه وشريكه في التجربة أحمد ماهر، وإصابة "أبو الدبلوماسية" أسامة الباز _كما وصفة_ بالألزهايمر، ليخلص إلى أن ضياع الذاكرة أخطر من ضياع المنصب، وأن الواجب يحتم أن يكتب ما عاشه قبل أن تُطفأ المصابيح في "مطبخ القرار". 

وأوضح ابو الغيط  أن الكتابين خاليان تقريبًا من تضخم الـ"أنا" ، وأن الاسم الحقيقي المتكرر بين الصفحات هو مصر: موقعها، خياراتها، وتحديات مؤسساتها. استشهد بأحد أهم ما تضمّناه من وثائق تاريخية وهو محضر اجتماع مجلس الأمن  في 30 سبتمبر 1973، حيث شرح السادات بنفسه قراره بخوض الحرب.

وخلال الندوة كشف واقعة لافتة من زمن توليه الخارجية وهي مكالمة من الرئيس حسني مبارك بعد مقتل ثلاثة جنود مصريين بنيران دبابة إسرائيلية، وسؤال مباشر عن المطالبة بتعويض . رفض أبو الغيط مبدأ "تعويض مقابل تعويض"، محذرًا من فتح باب لمساومات مالية على الدم مع إسرائيل، وتم الاتفاق في النهاية على تعويض الجنود مصريًا دون طلب  تعويض الدم المصري من الطرف الآخر، لافتا انه اذا تم عكس ذلك ستفتح مصر الباب أمام مطالبة إسرائيلية مماثلة إذا قتل جنود لهم لاحقًا، وربما تطرح أرقام بملايين الدولارات للجندي الواحد، وهو ما اعتبره مسارًا لا يقبله ولا يخدم مصالح مصر على المدى البعيد.

من هذه الحالة استخلص عقيدته وهي انه على المسؤول أن يواجه قائده برأيه بصراحة، وإن عجز عن التنفيذ بضمير مرتاح فباب الاستقالة يجب أن يظل مفتوحًا في عقله.

في كتاب «شهادتي» وجه أبو الغيط خطابه لجيل الدبلوماسيين الصاعدين، معتبرًا أن مسؤولًا يقضي عقودًا في قلب الخارجية لا يليق به أن يغادر في صمت دون أن يشرح كيف يصنع القرار، وكيف يبنى المسؤول القادر على خدمة بلده. وفي الوقت نفسه أوضح ان هناك صفحات عاصرها لا يمكن أن توثق أو تروي ولكنها تظل في مغلفه بالسرية ليوم مماته حفاظا على أمن وأسرار 

وردا على سؤال عن كتاب جديد يوثق فيه ما لم ينشر في الكتابين السابقين والفترات الحالية ، قال أبو الغيط ان نجاح الكتابين وترجمتهما إلى ٧ لغات يضعان عبئًا على أي عمل مقبل، خصوصًا إن قرر أن يكتب عن تجربته في جامعة الدول العربية في السنوات العاصفة التي أعادت رسم خريطة المنطقة. وبين الحرب والسلام، بدا في الندوة كمن يضع سطرًا افتتاحيًا لشهادة ثالثة ما زالت تكتب في صمت.