حدوتة مصرية
مئوية يوسف شاهين.. المتمرد فكرياً وانسانياً
يحتفل العالم بالذكرى المائة لميلاد المخرج العالمى يوسف شاهين، المتمرد على القوالب التقليدية فى فنه وحياته، هو ظاهرة فنية متكاملة صنعت أسلوباً خاصاً وخلقت أجيالاً من النجوم، الاحتفاء بمئويته هو احتفاء بمتفرد يملك لغة ورؤية فنية متميزة تتخطى النمطية جعلت من اسمه علم استثنائى فى تاريخ الفن العالمى.
تميّزت سينما شاهين بجرأة غير مسبوقة، سواء على مستوى الشكل أو المضمون،لم يتردد فى إدخال ذاته بوضوح داخل أفلامه، خصوصاً فى رباعية السيرة الذاتية التى ضمّت «إسكندرية… ليه؟»، «حدوتة مصرية»، «إسكندرية كمان وكمان»، و«إسكندرية نيويورك»، حيث تحوّلت السينما إلى مرآة حادة لصراعاته الداخلية، وهواجسه الفكرية، وعلاقته المتوترة بالوطن والسلطة والجمهور.

يوسف شاهين قدم قراءة نقدية للتاريخ المصرى الحديث فى أفلام مثل: «الأرض»، «العصفور»، و«إسكندرية… ليه؟»، انحاز للفلاحين والمهمشين، وكشف عن خيبات الحلم القومى، وعن الفجوة بين الخطاب الرسمى والواقع المعاش، وتطرق للتطرف الدينى وبنى المعبدبجوار الكنيسة والجامع فى فيلم الآخر، ولم يتوقف عن الدفاع عن حرية الفكر والتعبير ليصبح حدوتة مصرية تستطيع أن تقرأ تاريخ بلاده فى أفلامه، فهو صاحب مشروع وليس مجرد صانع أفلام، منذ بداياته تجلى أسلوبه أنه لا ينتمى أبداً إلى التيار السائد، لم يكن معنياً بصناعة أفلام ترضى السوق بقدر ما كان مشغولاً بطرح الأسئلة، أسئلته كانت عن الحرية، والعدالة، والانتماء، والعلاقة الملتبسة بين الفرد والسلطة، وبين الفن والرقابة، ولهذا لم يكن طريقه سهلاً، لكنه كان طريقاً صادقاً محفوفاً بالمغامرة والخسارة والانتصارات المتأخرة.
إنسانياً، كان يوسف شاهين شديد الحساسية، عصبى المزاج، لكنه وفى لفنه وتلاميذه. قدم للسينما العربية أسماءً ستصبح لاحقاً من كبار النجوم، مثل عمر الشريف، وسعاد حسنى، ونور الشريف، ويسرا، وحنان ترك، وغيرهم، مؤمناً بأن الممثل شريك أساسى فى صناعة المعنى لا مجرد أداة تنفيذ، ولذلك رصدت الوفد بعضاً من آراء وجوه أعماله الفنية حول تجربتهم مع «المتمرد».
يسرا: حالة فنية لن تتكرر
تحدثت الفنانة يسرا عن علاقتها الطويلة بيوسف شاهين، واصفة إياه بالحالة الفنية التى لا تتكرر، مشيرة إلى أنه كان شديد الصرامة فى موقع التصوير، لكنه فى الوقت نفسه كان إنساناً ومؤمناً بالممثل إلى أبعد حد. وأكدت أن العمل معه لم يكن سهلاً، لكنه كان كاشفاً لقدرات جديدة، لأنه كان يطالب بالصدق الكامل، ويجعل الممثل شريكاً حقيقياً فى صناعة المعنى لا مجرد مؤدٍ للدور.
وقالت: إن «شاهين» كان واحداً من أبرز المخرجين الذين تعاملوا مع السينما بوصفها فناً حياً لا يقبل التكرار أو النمطية. مشيره إلى أن «شاهين» كان يمتلك حساسية خاصة فى إدارة الممثل، ويبحث دائماً عن الصدق الإنسانى قبل الأداء التقنى، وهو ما جعل العمل معه تجربة مختلفة ومؤثرة.
وأضافت أن أفلامه لم تكن سهلة أو تقليدية، لكنها كانت تحمل دائماً رؤية واضحة وشجاعة فى الطرح، وهو ما جعله مخرجاً سابقاً لعصره. واعتبرت أن قيمة يوسف شاهين الحقيقية تكمن فى كونه صاحب مشروع فنى متكامل، ترك أثراً واضحاً فى تاريخ السينما المصرية، وفتح الطريق أمام أجيال جديدة لفهم السينما كأداة تعبير ووعى، لا مجرد وسيلة للترفيه.

يسرا اللوزى: «إسكندرية نيويورك» رؤية وجدانية
قالت يسرا اللوزى إن يوسف شاهين كان إنساناً جميلاً قبل أن يكون مخرجاً كبيراً، ويمثل مدرسة فنية متكاملة خرجت أسماء بارزة فى السينما المصرية والعربية، مؤكدة أنها تشعر بالحظ لكونها من أصغر الفنانين الذين عملوا معه.
واستعادت «اللوزى» ذكريات أول يوم تصوير لها فى فيلم «إسكندرية نيويورك»، موضحة أن ذلك اليوم صادف 25 يناير 2003، وهو يوم ميلاد يوسف شاهين، حيث احتفل فريق العمل معه، وكان ذلك أول يوم لها على «بلاتوه» سينما حقيقى.
وأشارت إلى أن شاهين كان دائم النصيحة لها بأن تكون تلقائية وصادقة فى أدائها، وهو ما ترك أثراً عميقاً فى تكوينها الفنى.
وأكدت يسرا اللوزى أن يوسف شاهين كان مؤمناً بالقضايا الوطنية والإقليمية، ومهموماً بقضايا المنطقة، لافتة إلى أن أغانى أفلامه ما زالت تمثل لها حالة وجدانية خاصة، قائلة إنها تلجأ إليها حين تشعر بالحزن أو ترغب فى البكاء.

ليلى علوى: «المصير» رمزية استثنائية
وصفت النجمة ليلى علوى الراحل يوسف شاهين أنه كان رمزاً فنياً استثنائياً، وأن أعماله لا تزال تحمل رسائل إنسانية قوية تعكس حبه لمصر وشعبها، وقالت علوى إن مشاركتها فى فيلم «المصير» مع المخرج يوسف شاهين شكّلت محطة فارقة فى مشوارها الفنى، مضيفة أن العمل مع شاهين أضاف الكثير إلى خبرتها وثقل رؤيتها الفنية، خاصة مع دخوله المسابقة الرسمية فى مهرجان كان، وما صاحب ذلك من تقدير عالمى لمسيرته السينمائية.
وأشارت إلى أنها خلال تصوير «المصير» عام 1996 تعرفت على نظام إنتاج مختلف ومنضبط، يعتمد على الدقة فى المواعيد والتخطيط، وهو ما انعكس على أسلوبها المهنى لاحقاً، مؤكدة أن التجربة علمتها الكثير من الدروس التى لا تزال تطبقها فى عملها حتى اليوم.
واختتمت ليلى علوى حديثها بالتأكيد على أن يوسف شاهين سيظل واحداً من أهم رموز السينما المصرية والعالمية، وأن الأجيال المتعاقبة ستظل فخورة بما قدمه من أعمال خالدة أثرت السينما العربية والدولية.

خالد النبوى: «المهاجر» أهم مخرج عربى فى التاريخ
وصف الفنان خالد النبوى يوسف شاهين بأنه أهم مخرج عربى فى التاريخ، نظراً لما قدمه فى مسيرته، كما أنه كان مقياساً لنا فى المعهد عندما كنا نخرج مسرحيات فالمخرج الجيد كنا نشبهه بـيوسف شاهين، وأرى أن الأحاديث المتداولة حول عدم فهم أفلامه غير منطقية.
وقال: «شاهين» كان ملهماً بحق، عبقرياً يمتلك مناخاً فنياً خاصاً فى كل لقطة، ويتعامل بدقّة شديدة مع التفاصيل الصغيرة، ويفهم الممثل من نظرة عينه.
وأوضح «النبوى» أنه استمتع كثيراً بالوقوف أمام كاميرا يوسف شاهين والعمل تحت إدارته، مضيفاً،كنت أستمتع بالتمثيل أمامه، وكنا نستمتع بالعمل معاً فى كل تجربة.

لبلبة: «الآخر» و«إسكندرية نيويورك» الأكثر ثراءً فى مسيرتى
تحدثت الفنانة لبلبة عن تجربتها مع المخرج الراحل يوسف شاهين، مؤكدة أن التعاون معه فى فيلمين هما «الآخر» و«إسكندرية نيويورك» كان من أكثر التجارب الفنية ثراءً فى مسيرتها، لما يحمله من متعة حقيقية على المستويين الإنسانى والفنى، مشيرة إلى أن العمل معه كان دائماً يضيف لكل المشاركين فى أعماله دون استثناء.
وأوضحت لبلبة أن يوسف شاهين كان مخرجاً شديد الاهتمام بالتفاصيل، لا يترك شيئاً للصدفة، ويحرص على متابعة كل ممثل على حدة، سواء من النجوم أو الوجوه الشابة، حيث كان يتعامل معهم جميعاً باعتبارهم أبطال العمل الحقيقيين. وأضافت: «كنت أشعر دائماً أنه يرى كل شىء، يراقب كل حركة وكل إحساس، ويعمل على استخراج أفضل ما بداخل الممثل».
وأكدت أنها تشعر بالفخر والحظ الكبير لتعاونها معه فى أعمال ما زالت حاضرة بقوة فى ذاكرة السينما المصرية، وعلى رأسها فيلم «الآخر» الذى تعتبره من أهم أفلامه حتى اليوم، إلى جانب «إسكندرية نيويورك».
وأضافت لبلبة أن العمل مع يوسف شاهين لم يكن مجرد مشاركة فى فيلم، بل كان بمثابة ورشة فنية متكاملة، يتعلم فيها الممثل كيف يفكر ويحلل الشخصية قبل أن يؤديها، مؤكدة أنه كان يمنح مساحة كبيرة للنقاش وتبادل الآراء داخل موقع التصوير، لكنه فى النهاية كان حاسماً فى قراراته، يعرف تماماً ماذا يريد من كل مشهد وكل لقطة. وأشارت إلى أن هذه الطريقة جعلت التجربة معه مختلفة عن أى مخرج آخر، لأنها تجمع بين الصرامة الفنية والاحتواء الإنسانى، وهو ما انعكس على جودة الأعمال التى خرجت إلى النور وبقيت حاضرة فى الذاكرة حتى اليوم.
وفى ذكرى ميلاده المئوية، ترى لبلبة أن يوسف شاهين واحد من أهم السينمائيين فى مصر والعالم العربى، مشددة على ضرورة أن يحرص الجيل الجديد من الشباب على مشاهدة أفلامه والتعلم من مدرسته المتفردة فى صناعة السينما.

حسين فهمى : شاهين أستاذى وشقيقى وأخى
وقال الفنانان حسين فهمى، يوسف شاهين أستاذى وصديقى وأخى، تعاونا معاً كثيراً، وكتبت معه سيناريو فيلم الاختيار، وهى تجربة مهمة جداً فى حياتى الفنية.
وقال إنه عندما التحق بمعهد السينما، كان يوسف شاهين قد قدّم بالفعل فيلم «باب الحديد»، وقد أشار فهمى إلى أن النقاشات الأكاديمية حول هذا الفيلم لم تكن تنتهى، خاصة مع الأستاذ عبدالحى أديب الذى كتب سيناريو الفيلم. وأكد فهمى أن شاهين كان دائماً شخصية مثيرة للجدل داخل المعهد بسبب جرأته اللافتة فى الإخراج، وقراره بأن يكون بطل الفيلم ومخرجه فى الوقت نفسه، وهو ما وصفه فهمى بأنه «مغامرة عبقرية» تعكس شخصية شاهين الجريئة والمتمردة على المألوف.
وأوضح «فهمى» أن المخرج يوسف شاهين كان هو من شجعه على دخول عالم التمثيل، قائلاً: «يوسف هو الذى قال لي: ادخل التمثيل. كنت أرغب فى البداية أن أصبح مخرجاً، لكنه رأى فيشيئاً خاصاً وشجعنى على اتخاذ هذه الخطوة»، وهو ما اعتبره نقطة تحول مهمة فى حياته الفنية، إذ كانت تلك الكلمات دافعاً له لاكتشاف قدراته كممثل إلى جانب ميله الأصلى للإخراج.
وأشار «فهمى» إلى أنه تعاون مع شاهين فى عدة أعمال فنية، من أبرزها فيلم «إسكندرية كمان وكمان»، الذى جمع بينهما مرة أخرى بعد سنوات من التعاون الفنى والنقاشات الفكرية العميقة، مضيفاً: «كنت أتناقش معه كثيراً، وكان يقول لى دائماً: اعمل كما أوجهك، لكن أضف من روحك. كل أفلامه لها طابع خاص، وليس بالضرورة أن يحبها الجميع»، وهو ما يعكس فلسفة شاهين الفنية التى تقوم على الجرأة فى التعبير والابتعاد عن التقليدية، مع التشجيع على إضافةلمسة شخصية لكل فنان يعمل معه.