خارج السطر
معرض الكتاب الذى نحلم به
تبقى الكُتب ساحرة، بأغلفتها وعناوينها ومحتواها المتنوع، دربا مُضيئا نحو التطور والتفرد، وبرهانا دامغا على التحضر. ينقلنا فعل القراءة إلى أزمنة أخرى، وأماكن أخرى، ينبش فى أدمغتنا، يثير خلايا التفكر والتفكير، يكشف فائت، يُبشر بجديد، ويقيم جسورا مع كافة الثقافات والأجناس.
من هُنا استمد معرض الكتاب المصرى أهميته، زخمه، ورونقه، خاصة على مستوى العالم العربى، إذ يُعد هو الأكبر من حيث عدد الناشرين والزوار والكتب المباعة، وهو الأول تاريخيا إذ يرجع لعام 1968.
كُنت طفلاً فى العاشرة، عندما زرته للمرة الأولى، أبهرنى الزحام، أبهجنى مشهد الكُتب مرصوصة على الرفوف والأيدى تمتد بشغف لتُقلبها استقراء لكلمات الأظهر، أو الفهارس، أو بحثا عن أسماء مؤلفين محددين.
كبرت ولم أتخلف عاما عن زيارة المعرض، حتى أصبحت كاتبا، ولى مؤلفات، فصرت أذهب مرات ومرات، محاضرا، أو مشاركا فى ندوة أو حفل توقيع، أو للقاء مبدعين وكُتاب عرب وأجانب.
قبل سنوات انتقل المعرض لفضاء أوسع، صالات أحدث، وقاعات أكثر تنظيما، لكن ظلت فاعليات المعرض وأداءه باهتة كموروثات عديدة فى بلادى، تخضع للنمطية العامة، فيكرر المعرض الآنى، ما سبق، الذى كرر سابقه. فلا نقاشات مفتوحة، ولا قضايا جدلية، ولا مبادرات رائدة لعمل تخفيضات كبيرة وحقيقية للقراء القادمين من كل فج. ارتفع سعر تأجير قاعات العرض عاما تلو آخر، وكأن المشروع تجارى بحث، ووضعت شروط مقيدة لمشاركة دور النشر الصغيرة، وخضعت الندوات المطروحة لقيود عامة استبعدت القضايا التى يمكن أن تثير جدلا تحت بوابة سد الذرائع.
لم نعد نشهد ندوات صاخبة قوية وعميقة مثلما شهدت يوما قبل أكثر من ثلاثين عاما سجال الدولة المدنية والدينية الذى انتصر فيه فرج فودة على أدعياء الدولة الدينية بالحجة والمنطق، لم نعد نسمع عن لقاءات مفتوحة مع شعراء عظام مثلما حدث يوما مع نزار قبانى ومحمود درويش وأدونيس، ولم تعد نشعر بالوهج الذى كان يغمرنا فيما مضى، ونحن نرى الشباب والفتيات يشاركون فى ندوات الابداع المفتوحة ليبرزوا مواهبهم.
ويبدو أيضا أن العلاقة الرسمية بين المعرض والحكومة اقتصرت على زيارة الافتتاح التى يقوم بها رئيس الوزراء كل عام، يصاحبه وزير الثقافة، وعدد محدود من الوزراء، يلتقطون الصور التذكارية، ثم يغادرون. ونتذكر جميعا فيما مضى كان الرئيس مبارك يحرص على زيارة المعرض بنفسه، بل ويقيم حوارا دوريا كل عام مع المثقفين والمبدعين، وهو ما غاب عنا منذ سنوات.
لقد كانت الثقافة أحد أدوات القوى الناعمة المصرية، تمد تأثيراتها إلى الشرق والغرب، تطرح أفكاراً، وتصنع جمالاً، وتفتح أبواباً موصدة، وتُبشر باصلاحات ورقى. ورغم عنفوان تيار التطرف الدينى، وارتفاع موجة المد الأصولى طوال الثمانينات والتسعينات، ظلت قلعة الثقافة المصرية حصنا للعقل المصرى ومانعاً ضد الانجراف فى تيارات التشتت وطمس الهوية، وغيّرت الثقافة من حيوات كثير من الناس، عايشتهم وعرفتهم.
من هُنا، أتصور أننا فى حاجة لتطوير معرض الكتاب مرة أخرى، ليس كمشروع ربحى، وإنما كمعبر للناس لدخول عصر المعرفة والالتفاف حول الفن والابداع. ما هو كائن يتكرر بحكم الاعتياد، ونحن فى زمن سطوع جديد، وأجيال ناشئة مُختلفة، تتباعد بفضل التطور التكنولوجى المذهل، وهو ما يعنى أننا نحتاج لمشروع قومى لتطوير معرض الكتاب، ليصبح مهرجاناً دولياً للثقافة العربية.
والله أعلم