كندا تعلن: لاعودة للنظام العالمي الذي عرفناه
تميّز خطاب دافوس لمارك كارني ليس فقط بجرأته السياسية، بل في وضوحه الأخلاقي.
ففي عالمٍ غارقٍ في اللغة التكنوقراطية الجافة، اختار كارني ما هو أندر: الكلام الأخلاقي المباشر. حين وصف النظام الدولي القائم على القواعد بأنه «خيال مريح»، لم يكن ينقض التاريخ، بل كان يحرّر الحاضر من لغة لم تعد قادرة على تفسيره. وإصراره على مفردة rupture«القطيعة» بدلا من مفردة transition «التحوّل» كان إعلانًا عن محاسبة صادقة، ترفض التجميل والترميم السطحي، وتصرّ على الاعتراف بالخلل الذي أصاب عالمنا.
ثمة صورة نمطية شائعة عن الكنديين: أنهم ودودون، ميّالون إلى الاعتذار، مفرطون في التهذيب، كأنهم يخشون دومًا أن يكونوا قد أساؤوا إليك دون قصد. وقد عشتُ ودرستُ ودرّستُ داخل مؤسسات كندية ما يجعلني أفهم من أين جاءت هذه الصورة. غير أن خطاب كارني يذكّرنا بأن اللياقة ليست مرادفًا للضعف، وأن التهذيب لا ينفي الشجاعة. بل إن هذا الخطاب يجعل من ضبط النفس الأخلاقي شكلًا من أشكال القوة. فالدعوة إلى التوقّف عن «العيش داخل الكذبة»، المستلهمة من استعارة فاتسلاف هافل، أول رئيس لجمهورية التشيك بعد استقلالها( 1993 - 2003) ، تعيد تعريف الصدق لا بوصفه ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة استراتيجية. أما النفاق فليس براغماتيًا، بل مدمّرًا.
أكثر ما استوقفني هو وضوح السمة الكندية في هذه اللحظة. فلطالما مارست كندا نفوذًا لا يقوم على الهيمنة. ففي أزمة حرب السويس عام 1956، تقدّم ليستر ب. بيرسون Lester B. Pearson ، وزير خارجية كندا وقتها، بمقترح إنشاء أول قوة طوارئ تابعة للأمم المتحدة، في وقت كانت فيه القوى الكبرى على حافة مواجهة خطيرة. لم تكن كندا يومها قوة عظمى، لكنها تصرّفت كفاعلٍ أخلاقي، ونال بيرسون لاحقًا جائزة نوبل للسلام. خطاب دافوس، وإن كان مشدودًا إلى الاوضاع الجيو-السياسية الراهنة، يستعيد هذا التقليد ذاته: الإيمان بأن القوى المتوسطة، حين تعمل باتساق ونزاهة، قادرة على التأثير في مجرى الأحداث.
ويرفض الخطاب أيضًا نوستالجيا نظامٍ دولي لم يكن يومًا بريئًا بالكامل، وإن كان—على الأقل—قابلًا للتسمية. «الحنين ليس استراتيجية»، يقول كارني، واضعًا حدًا فاصلًا بين الذاكرة بوصفها درسًا، والاختباء في الماضي بوصفه عجزًا عن الخيال السياسي. من انهيار الأوهام المريحة، لا يولد الفراغ، بل تبرز إمكانية البناء من جديد—بقدرٍ أكبر من التواضع، وبصدقٍ أشد، وعلى أرضية أخلاقية أصلب.
بالنسبة إليّ، كان هذا الخطاب تذكيرًا بأن الميل الكندي إلى الحوار، وضبط النفس، ليس نقيض القوة. فإذا ما استند إلى اتساقٍ بين القيم والأفعال، تحوّل إلى صيغة مميّزة من القوة. وفي زمن تتعاظم فيه عدوانية القوى العظمى، قد يكون هذا الاتساق—لا التفوّق العسكري ولا الابتزاز الاقتصادي—أصدق ما تبقّى من معنى القوة.