بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

سر العلاقة بين ترامب والسيسي.. حين تتقاطع الإرادات

 

في السياسة، لا تُقاس العلاقات بطول البيانات المشتركة، ولا بفيض العبارات الدبلوماسية، بل بلحظات قصيرة تكشف ما لا تقوله الخطب. كلمة عابرة قد تكون أصدق من مؤتمر كامل، ونبرة محسوبة قد تحمل ما تعجز عنه الوثائق الرسمية. من هذا المدخل يمكن فهم العلاقة الخاصة التي جمعت بين دونالد ترامب وعبد الفتاح السيسي؛ علاقة لم تُبنَ على تطابق أيديولوجي أو انسجام شكلي بين نظامين، بل على إدراك مشترك لمعنى السلطة في زمن الاضطراب.
حين قال ترامب في منتدى دافوس: «السيسي يفهمني»، لم تكن العبارة مجاملة بروتوكولية، ولا توصيفًا عابرًا في سياق خطاب. كانت جملة مكثفة، تحمل في طياتها اعترافًا سياسيًا صريحًا بأن هذا الرجل يفهم منطق الحكم في لحظاته الحرجة، ويدرك كلفة القرار حين تكون الدولة مهددة، والفوضى أقرب من الاستقرار.
كلا الرجلين جاء إلى السلطة في سياق استثنائي. ترامب صعد في ظل انقسام أمريكي داخلي غير مسبوق، والسيسي جاء بعد فوضى إقليمية وداخلية كادت تعصف بفكرة الدولة الوطنية ذاتها. في الحالتين، لم يُقدَّم القائد باعتباره رجل سياسة تقليديًا، بل بوصفه «رجل مرحلة»، أو حاجزًا أخيرًا قبل الانهيار. هذا التشابه في التجربة، لا في البنية السياسية، هو ما صنع مساحة الفهم المشترك بينهما.
من منظور جيوسياسي، لم تكن مصر بالنسبة لترامب مجرد حليف عادي. هي عقدة جغرافية محورية: قناة السويس، أحد أعمدة أمن الشرق الأوسط، وضامن أساسي لتوازنات إقليمية دقيقة، في منطقة لا تحتمل فراغًا في السلطة. ترامب، بعقليته البراغماتية المباشرة، لم يطرح سؤال الديمقراطية بقدر ما طرح سؤال الاستقرار: هل الدولة قائمة؟ هل القرار مركزي؟ هل الفوضى تحت السيطرة؟ وكانت الإجابة، في نظره، كافية لبناء الثقة.
في المقابل، كان السيسي يدرك أن الخطاب الغربي حول القيم غالبًا ما يُدار من موقع القوة، ويُستخدم كأداة ضغط سياسية. احتاج إلى شريك يفهم أولوية الدولة قبل الجدل، ويمنحه مساحة حركة دون وصاية أخلاقية أو ابتزاز إعلامي. وجد ذلك في تعامل ترامب المباشر، البعيد عن تعقيدات المؤسسات وضجيج المزايدات.
هذه العلاقة حملت بعدًا فلسفيًا واضحًا: إيمان مشترك بأن الدولة تسبق النقاش، وأن الفوضى أكثر تدميرًا من الحسم، وأن الزمن الاستثنائي لا يُدار بعقلية اللحظات العادية. هنا يتقاطع الرجلان، لا في التفاصيل، بل في طريقة قراءة العالم بوصفه خريطة أخطار، لا نصًا نظريًا.
لكن السياسة لا تعرف الثبات. بانتهاء عهد ترامب، تغيّرت اللغة الأمريكية، وعادت واشنطن إلى نهجها المؤسسي التقليدي: تقارير، ضغوط ناعمة، وحديث مكثف عن القيم. لم يتغير السيسي بقدر ما تغيّر البيت الأبيض. وهو درس متكرر في العلاقات الدولية: كثير من التفاهمات تُبنى على الأشخاص بقدر ما تُبنى على المصالح.
في المحصلة، تكشف علاقة ترامب والسيسي حقيقة صلبة في عالم السياسة الدولية: لا مكان للعواطف، ولا وزن دائمًا للشعارات، ولا تحالفات أبدية خارج منطق القوة والفهم المتبادل. حين قال ترامب: «السيسي يفهمني»، لم يكن يبحث عن صديق، بل عن شريك يدرك أن الفوضى إذا تُركت تتمدد، تبتلع الجميع بلا استثناء.
في السياسة، ليس السؤال: من يقف إلى جوارك؟
بل السؤال الأخطر: من يفهمك حين يكون الفهم مكلفًا؟
فالذي يفهم منطق الخطر، هو من يصنع المعادلة… أو يتركك تواجه العاصفة وحدك...،!!

كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية ..،،!!