من ورشة صغيرة إلى ذاكرة مدينة.. “شعبان أبو الخير” مؤسس صناعة فوانيس رمضان في بنها
في قلب منطقة وسط البلد بمدينة بنها بمحافظة القليوبية تتوارى ورشة صغيرة خلف زحام الشوارع وحركة المارة لكنها تحتضن بين جدرانها حكاية سنوات طويلة مع واحدة من أقدم الحرف الرمضانية التراثية في مصر.
ففي داخل هذه الورشة يواصل شعبان أبو الخير البالغ من العمر 76 عامًا صناعة الفوانيس اليدوية من الصاج والزجاج محافظًا على تراث عائلي امتد عبر أجيال.
يقول شعبان أبو الخير، انه ورث مهنة صناعة الفوانيس عن جده ووالده وبدأ العمل بها منذ طفولته المبكرة إى منذ قرابة 60 عامًا حتى أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياته اليومية وعلى مدار عشرات السنين ظل وفيًا لهذه الحرفة التراثية رغم ما شهدته من تراجع أمام المنتجات الحديثة والفوانيس الصينية.
ويضيف شعبان أبو الخير، انه ينتمى إلى أسرة كبيرة فهو أب لخمسة أبناء وثلاث بنات ولم يواصل مشوار المهنة من بينهم سوى نجله أحمد الذي يشاركه اليوم مسئولية الحفاظ على هذا الإرث الشعبى والثقافي في ظل عزوف كثير من الشباب عن تعلم الحرف اليدوية.
ويسترجع شعبان بداياته بابتسامة ممزوجة بالحنين، قائلًا: «زمان كان الفانوس بخمسة قروش وكنا نبيع بالعشرات أما الآن فيبلغ متوسط سعر الفانوس الشعبي المستخدم في تزيين الشرفات والشوارع نحو 75 جنيهًا ومع ذلك لا يزال له زبائنه ومحبيه»، مؤكدًا أن القيمة الحقيقية للفانوس لا تقاس بالسعر بقدر ما ترتبط بالمشاعر والذكريات التي يحملها في وجدان المصريين.
وأضاف بقوله: انه لا ينتظر اقتراب شهر رمضان ليبدأ عمله بل يستعد له مبكرًا مع دخول شهر رجب من كل عام، حيث يحرص على توفير الخامات الأساسية من صاج وزجاج وألوان ثم يبدأ مراحل التقطيع والتجميع واللحام والتلوين معتمدًا في ذلك على خبرته الطويلة ودقة يده.
ويقول: أبدأ العمل في صناعة فوانيس رمضان مبكرًا من شهر رجب حتى استطيع ان البي الطلبات على منتجاتى فكل مرحلة لها وقتها من القص واللحام حتى التلوين ليخرج الفانوس في أحسن شكل.
ويرى شعبان أن مهنة صناعة الفوانيس ليست مجرد عمل موسمي بل رسالة مرتبطة بروح الشهر الكريم، موضحًا: ان الفانوس بالنسبة لي هو عنوان الفرح في رمضان وخاصة عندما اراه ينير المنازل أشعر إني شاركتهم فرحتهم " .
ويضيف شعبان ابو الخير قائلًا: أن ارتباطه بالمهنة منحه إحساسا دائما بالانتماء وجعل اسمه مرتبطا بذاكرة المكان وأهله .
ورغم تقدمه في العمر لا يزال شعبان يحمل حلمًا يتمنى تحقيقه قائلًا: نفسي ربنا يكرمني وأزور بيت الله الحرام وأعمل عمرة أو حج قبل ما العمر يجري، ويؤكد أن هذا الحلم يمنحه دافعا للاستمرار في العمل والأمل.
وترجع صناعة الفوانيس في مصر إلى العصر الفاطمي، حيث ارتبطت بمظاهر الاحتفال بشهر رمضان قبل أن تتحول عبر العصور إلى أحد أبرز رموز التراث الشعبي المصري.
ومع مرور الزمن تطورت خامات الفانوس وأشكاله لكنه احتفظ بروحه الأساسية كرمز للبهجة والروحانية.
ويعد الفانوس اليدوي المصنوع من الصاج والزجاج أحد أقدم النماذج التي حافظت على طابعها التقليدي رغم التغيرات التي طرأت على الأسواق.
وتواجه صناع الفوانيس التقليدية تحديات كبيرة في ظل انتشار الفوانيس البلاستيكية والإلكترونية المستوردة، التي أغرت كثير من المستهلكين بأسعارها وأشكالها الحديثة ما أدى إلى تراجع الطلب على المنتج اليدوي .
ورغم ذلك يصر شعبان أبو الخير على مواصلة العمل مؤمنًا بأن لكل منتج أصيل جمهوره الذي يقدّر قيمته الفنية والتراثية .
ويظل شعبان أبو الخير نموذجا حيا للصبر والإخلاص ورمزًا من رموز الذاكرة الشعبية في مدينة بنها بمحافظة القليوبية التي لا تزال تحتفظ في أزقتها وورشها الصغيرة بروح رمضان الأصيلة.