أخبار اليمن: الرياض تستضيف اللقاء التشاوري الجنوبي ومباحثات عدن تعيد ترتيب المشهد الأمني
شهدت الساحة اليمنية خلال الأيام الماضية حراكاً سياسياً وأمنياً لافتاً، مع استضافة العاصمة السعودية الرياض فعاليات اللقاء التشاوري الجنوبي اليمني، بالتوازي مع مباحثات مكثفة في العاصمة المؤقتة عدن بشأن إعادة تموضع المعسكرات العسكرية خارج النطاق الحضري. هذه التطورات المتزامنة، التي تحظى بمتابعة واسعة ضمن أخبار اليمن، تعكس محاولة جادة لإعادة ضبط المسار السياسي والأمني في الجنوب، وتهيئة بيئة أكثر استقراراً تمهيداً لمعالجات أعمق للقضية الجنوبية في إطار وطني وإقليمي أوسع.
اللقاء التشاوري الجنوبي في الرياض: رسائل الانفتاح والتوافق
انطلاق اللقاء التشاوري الجنوبي في الرياض شكّل محطة مفصلية في مسار القضية الجنوبية، إذ جمع قيادات سياسية ومجتمعية من مختلف المحافظات الجنوبية، في إطار حوار مفتوح بلا سقوف مسبقة للمطالب. هذا الطابع المرن، بحسب مشاركين، يعكس إدراكاً عاماً بأن المرحلة تتطلب توافقات واسعة لا إقصاء فيها، مع ترك مساحة للنقاش المسؤول حول مستقبل الجنوب وشكل الدولة.
القيادي في حراك جنوب اليمن أحمد الصالح أكد أن مجلس القيادة الرئاسي يؤيد كل ما سينبثق عن الحوار الجنوبي الجنوبي، مشدداً على أن الجنوب منفتح على الجميع، وأن التحركات الشعبية الأخيرة في عدن وعدد من المحافظات جاءت دعماً للحوار وتمسكاً بالثوابت، لا تعبيراً عن ولاءات لأشخاص أو مكونات بعينها. هذا الخطاب ركّز على فكرة أن القيادات تتغير، بينما تبقى القضية والشعب.
موقف الحكومة والعلاقة مع السعودية
من جانبه، أوضح وزير الزراعة والري والثروة السمكية اللواء سالم السقطري أن اللقاء التشاوري يمثل خطوة تمهيدية نحو حوار جنوبي شامل، سيُعقد لاحقاً برعاية سعودية، بمشاركة جميع الأطياف. وأكد أن العلاقة مع المملكة العربية السعودية محل إجماع جنوبي، واصفاً إياها بالاستراتيجية، ومشيراً إلى عدم وجود أي خلاف جنوبي جنوبي بشأن هذه العلاقة.
هذا الموقف يعكس قناعة متزايدة بأن الدور السعودي لا يقتصر على الاستضافة، بل يتعداه إلى توفير مظلة سياسية وضمانات إقليمية تساعد على إنجاح أي مخرجات مستقبلية، خصوصاً في ظل تعقيدات المشهد اليمني وتشابك الملفات الأمنية والسياسية.
مطالب بلا سقف ورسائل طمأنة
القيادي الجنوبي العميد علي أحمد حسين الجبواني لفت إلى أن المشاركين دخلوا اللقاء من دون تحديد سقف للمطالب، معتبراً أن ذلك منح الاجتماع طابعاً إيجابياً ورسائل طمأنة لمختلف القوى. وأشار إلى أن توحّد الجنوبيين في الرياض يمثل مؤشراً مهماً على إمكانية الوصول إلى رؤية مشتركة، مؤكداً أن الحوار والسلم هما الطريق لتحقيق مطالب أبناء الجنوب، بعيداً عن منطق القوة.
كما شدد على جدية المملكة في الدفع نحو عقد الحوار الجنوبي الشامل في أقرب وقت، مع توقع حشد دعم إقليمي ودولي لمساندة ما سيتوصل إليه المشاركون.
إعادة تموضع المعسكرات: الأمن في خدمة المدينة
بالتوازي مع المسار السياسي، شهدت عدن مباحثات أمنية مهمة ناقشت خطة إعادة تموضع المعسكرات خارج نطاق العاصمة المؤقتة. الاجتماع الذي ضم محافظ عدن وقيادات عسكرية وأمنية، إلى جانب ممثلين عن تحالف دعم الشرعية، وضع إطاراً عملياً من ثلاث مراحل لتنفيذ الخطة.
أهداف هذه الخطوة لا تقتصر على الجوانب الأمنية، بل تمتد إلى:
- تعزيز الطابع المدني لمدينة عدن.
- تقليل المظاهر المسلحة داخل الأحياء السكنية.
- خلق بيئة أكثر جذباً للاستثمار والنشاط الاقتصادي.
- تحسين الخدمات والتنمية الحضرية على المدى المتوسط.
هذه المقاربة تعكس فهماً متقدماً لأهمية الربط بين الأمن والاستقرار من جهة، والتنمية وتحسين معيشة المواطنين من جهة أخرى.
مكافحة الإرهاب كأولوية مشتركة
في سياق متصل، برزت ملفات مكافحة الإرهاب والتهريب خلال لقاءات رسمية في الرياض، حيث جرى بحث سبل تعزيز التنسيق الأمني، وإحباط محاولات تهريب الأسلحة، وملاحقة التنظيمات المتطرفة. التأكيد المتكرر على هذا الملف يوضح أن أي حوار سياسي لا يمكن فصله عن ضرورة ترسيخ الأمن، خصوصاً في ظل تهديدات التنظيمات الإرهابية التي تستهدف استقرار اليمن والمنطقة.
المشهد العام: توازن حساس بين السياسة والأمن
مجمل هذه التطورات تشير إلى محاولة لإعادة بناء الثقة بين المكونات الجنوبية، وضبط العلاقة بين الفعل السياسي والإجراءات الأمنية. اللقاء التشاوري في الرياض يفتح نافذة أمل لتوحيد الرؤى، بينما تعكس خطوات إعادة تموضع المعسكرات توجهاً عملياً لإعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها، بعيداً عن عسكرة المدن.
الخلاصة
يمر الجنوب اليمني بمرحلة دقيقة تتقاطع فيها طموحات سياسية مشروعة مع تحديات أمنية واقتصادية معقدة. ما يجري في الرياض وعدن يوحي بوجود إرادة حقيقية لتصويب المسار، عبر الحوار الشامل، والانفتاح، وترتيب البيت الداخلي، بدعم إقليمي فاعل. نجاح هذه الجهود سيبقى مرهوناً بقدرة الأطراف على تغليب المصلحة العامة، وتحويل التعهدات السياسية إلى خطوات ملموسة تعيد الاستقرار، وتمنح المواطنين أملاً بمستقبل أكثر وضوحاً وأمناً.