خارج المقصورة
بورصة فى الصعيد
قبل اندلاع الأزمة المالية العالمية فى عام 2008، كان الدكتور محمود محيى الدين، وزير الاستثمار الأسبق، يفكر فى تأسيس بورصة للصعيد، وتحديدًا فى مدينة أسيوط، على غرار بورصة الإسكندرية قبل دمجها مع بورصة القاهرة عام 1997، ليولد كيانًا واحدًا تحت مسمى «البورصة المصرية».
لم تكن الفكرة ترفًا إداريًا، بل كانت مشروعًا تنمويًا يستهدف نشر ثقافة الاستثمار فى سوق الأسهم داخل محافظات صعيد مصر، خاصة فى ظل عجز فروع شركات السمسرة آنذاك عن القيام بدورها التوعوى والمهنى بالشكل المأمول. غير أن الحلم الكبير تقلص مع الوقت، ليقتصر على مجرد مكتب تابع للبورصة فى مدينة سوهاج، يُدار من خلال موظفى المقر الرئيسى، دون أن يلامس جوهر المشكلة أو يغير واقع السوق.
مع مرور السنوات، وتنامى مدخرات أبناء الصعيد، سواء من حصاد الغربة والعمل بالخارج أو من تراكم الجهد داخل الوطن، بدأ أصحاب هذه الأموال رحلة البحث عن تعظيم مدخراتهم، إلا أن ضعف الوعى بالأدوات الاستثمارية الآمنة والقادرة على تحقيق عوائد حقيقية فتح الباب واسعًا أمام ظاهرة «المستريحين»، الذين وجدوا فى هذا الفراغ بيئة مثالية لعمليات النصب، متخفين خلف لافتة الاستثمار وتحقيق الأرباح الخيالية، ورفض الكثيرون اللجوء إلى شراء الأراضى بسبب تقلب أسعارها وصعوبة تسييلها سريعًا، فكانت النتيجة أن تحولت أحلام الربح إلى فخ محكم.
قصص النصب التى تكررت خلال السنوات الأخيرة ليست سوى دليل، حيث نجح بعض المستريحين فى الاستيلاء على مئات الملايين من الجنيهات من مواطنى محافظات الصعيد، وكان آخرها «مستريح المنيا» الذى تمكن من جمع أكثر من نصف مليار جنيه من أهالى القرى، مقابل وعود بعوائد شهرية وهمية.
هذه الوقائع المؤلمة تكشف، دون مواربة، فشل فروع شركات السمسرة المنتشرة بالصعيد فى النزول إلى أرض الواقع، وفى أداء دورها الحقيقى بنشر ثقافة الاستثمار فى الأسهم، وبناء الثقة، وإقناع المواطنين بأن البورصة ليست مقامرة، بل فرصة حقيقية لتحقيق عوائد جيدة تحت إشراف متخصصين.
يزيد من ضبابية المشهد غياب البيانات التفصيلية عن المستثمرين الجدد بالمحافظات فى التقارير السنوية للبورصة، على عكس ما كان معمولًا به خلال فترة رئاسة الدكتور محمد عمران، الأمر الذى يحرم المراقبين من تقييم دقيق: هل نشهد نموًا حقيقيًا فى محافظات الصعيد، أم أننا ما زلنا ندور فى حلقة مفرغة؟
كل هذه المعطيات تعيد طرح السؤال بقوة، وتدفعنا إلى إحياء فكرة وزير الاستثمار الأسبق: لماذا لا يكون للصعيد بورصته؟ بورصة قادرة على تحقيق ما عجزت عنه شركات السمسرة، وحصنا يحمى مدخرات المواطنين من العبث والاستغلال.
< يا سادة.. ليس عيبًا أن نُعيد إحياء فكرة لم تُنفذ من قبل، فما عجز عنه الأمس… قد يصبح ممكنًا اليوم.