إطلالة
"وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكم»
ما يحدث هذه الأيام من قضايا قتل الأبناء على يد الاب أو الأم ، عاد بنا إلى زمن الجاهلية قبل الإسلام عندما كان الآباء يقتلون أبناءهم كما جاء بقوله تعالى: "وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ"، فقد كانوا يئدون البنات خشية العار، وفى بعض الأحيان يقتلون الذكور خشية الافتقار، وما نشهده فى الفترة الأخيرة ، تصاعدًا مقلقًا فى جرائم قتل الأبناء على يد أحد الوالدين، الأب أو الأم، تحت ذرائع باتت تتكرر بشكل لافت، سواء ضغوط نفسية، اضطراب نفسى، أزمة مالية، أو ظروف اجتماعية قاهرة. ورغم قسوة هذه المبررات، فإنها تظل غير منطقية ولا يمكن أن تكون تفسيرًا أو مبررًا لجريمة بهذا الحجم من الوحشية، جريمة تنتهك أبسط القيم الإنسانية والفطرية. فالفقر على قسوته، ليس ظاهرة جديدة على مجتمعاتنا. عبر عقود طويلة عاشت أسر بأكملها تحت خط الفقر، وكانت فرص العمل نادرة، والتعليم محدود، والخدمات الأساسية شبه غائبة. ومع ذلك لم نشهد هذا الكم من الجرائم التى تستهدف الأبناء. بل على العكس، كان الآباء والأمهات يضربون أروع الأمثلة فى التضحية، فيقتطعون من قوتهم ليطعموا أبناءهم، ويجوعون كى لا ينام أطفالهم جائعين. كانت رابطة الرحمة أقوى من أى ظرف اقتصادى أو نفسى.
والسؤال الذى يطرح نفسه ما الذى تغيّر اليوم؟ يبدو أن التحول الحقيقى لا يكمن فقط فى الظروف المعيشية، بل فى منظومة القيم والأخلاق. ضعف الوازع الدينى وتراجع دور الأسرة فى التربية، وانتشار الأنانية، إضافة إلى الضغوط المتراكمة دون وجود وعى أو دعم نفسى حقيقى، كلها عوامل أسهمت فى تآكل الحس الإنسانى. كما لعبت وسائل التواصل الاجتماعى دورًا سلبيًا فى تطبيع العنف، وتفريغ المشاعر السلبية بطرق خاطئة، مع غياب ثقافة طلب المساعدة أو الاعتراف بالعجز قبل الوصول إلى نقطة الانفجار.
والأخطر من ذلك هو محاولة بعض الخطابات الإعلامية تبرير هذه الجرائم أو التعامل معها بتعاطف مبالغ فيه مع الجانى، وكأن الضحية مجرد تفصيل ثانوى. هذا الخطاب يسهم بشكل غير مباشر فى تقليل فداحة الجريمة، ويشجع على تكرارها.
ولذلك لا بد من إعادة بناء منظومة القيم الأخلاقية داخل الأسرة، وتعزيز التربية على الرحمة والمسئولية منذ الصغر. كما يجب توفير دعم نفسى حقيقى وسهل الوصول للأسر، دون وصم أو تخويف. ويجب على الدولة والمؤسسات المدنية أن تلعب دورًا فاعلًا فى التوعية، وتشديد العقوبات على جرائم قتل الأطفال دون تهاون. كذلك من الضرورى إصلاح الخطاب الإعلامى ليكون منحازًا للضحايا، لا مبررًا للجناة. فحماية الأبناء ليست خيارًا، بل هى واجب أخلاقى وإنسانى لا يسقط تحت أى ظرف، وأى مجتمع يفشل فى حماية أطفاله إنما يضع مستقبله كله على المحك.