مسار القهوة
"وَعْدُ الحُرِّ دَيْنٌ عَلَيْه"
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتبدّل فيه المواقف، تبقى القيم الأصيلة هي الميزان الحقيقي الذي تُقاس به أخلاق الأفراد ورسوخ المجتمعات. ولعلّ من أسمى هذه القيم وأشدّها حضورًا في الوجدان العربي قولنا: وعد الحر دَيْن عليه. فهي عبارة قصيرة في مبناها، عميقة في معناها، تختصر فلسفة كاملة في الالتزام والمسئولية والوفاء.
والوعد ليس مجرد كلمات تُقال لطمأنة الآخرين أو كسب ثقتهم مؤقتًا، بل هو تعهّد أخلاقي يُلقى على عاتق صاحبه، وواجب التنفيذ. فالحرّ، كما عرّفته ثقافتنا، هو من يملك قراره، ويزن كلمته، ولا ينطق إلا بما يستطيع الوفاء به. ومن هنا جاء ربط الوعد بالدَّيْن، لا بمعناه المادي، بل بمعناه القيمي الذي لا يسقط بالتقادم ولا يُعفى منه بالاعتذار.
لقد شكّل الوفاء بالوعد عبر التاريخ حجرَ أساس في بناء العلاقات الإنسانية، سواء على مستوى الأفراد أو الدول؛ فكم من شراكات نجحت، وكم من أوطان استقرّت، لأن الكلمة كانت عهدًا، والعهد كان محترمًا. وعلى النقيض، فإنّ إخلاف الوعد كان دائمًا سببًا في انهيار الثقة، واهتزاز الصورة، وضياع الحقوق، مهما تعدّدت المبررات.
وفي واقعنا المعاصر، تزداد الحاجة إلى إحياء هذا المبدأ، في ظل عالمٍ باتت فيه الوعود تُطلق بسهولة، وتُنسى بالسهولة نفسها؛ حيث نسمع وعودًا في العمل والعلاقات والخدمات، لكن التنفيذ كثيرًا ما يتأخر أو يغيب، مما يخلق فجوة بين القول والفعل، ويؤدي إلى حالة من الإحباط وفقدان المصداقية. هنا تتجلّى أهمية أن يدرك كل شخص، وكل صاحب قرار، أن كلمته ليست عبئًا إعلاميًا، بل التزامًا أخلاقيًا وتاريخيًا.
ولا يقتصر معنى وعد الحر دين عليه على الشأن العام فحسب، بل يبدأ من أبسط العلاقات الإنسانية؛ ففي الأسرة، حين يَعِد الأب أبناءه، أو تَعِد الأم أسرتها، يتعلّم الجيل الجديد قيمة الصدق واحترام الكلمة. وفي الصداقة، يكون الوعد عنوان الثقة، وبدونه تصبح العلاقات هشة لا تصمد أمام أول اختبار.
إنّ المجتمعات التي تُقدّر الكلمة وتحاسب على إخلافها، هي مجتمعات قادرة على التقدم والاستقرار. فالتنمية الحقيقية تقوم على منظومة قيم تحكم السلوك العام، في مقدمتها الصدق والوفاء؛ حين يصبح الوعد مسئولية لا يُستهان بها، تتحول الأقوال إلى أفعال، والطموحات إلى واقع.
وفي النهاية، يبقى وعد الحر دين عليه ليس مجرد مثلٍ نردده، بل مبدأ يجب أن نعيشه ونطبّقه؛ فبه تُصان الكرامة، وتُبنى الثقة، ويعلو شأن الأفراد والأوطان.
أستاذ الإعلام المساعد بكلية الآداب - جامعة المنصورة.
[email protected]