«ملحمة الخلود».. حين كتبت دماءُ الشرطة المصرية تاريخَ العزّة
«ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ».. ليست هذه الآية الكريمة جملةً عابرة في سياق القرآن الكريم، بل وعدٌ إلهيٌّ مؤسِّس، وهويةٌ وطنيةٌ راسخة، وميثاقُ أمنٍ كُتب على هذه الأرض منذ فجر التاريخ.
منذ أكثر من خمسة آلاف عام، نزل أمينُ الوحي جبريلُ عليه السلام على سيدنا يوسف، عليه السلام، حاملًا وعدًا إلهيًا لا يخصه وحده، ولا يقتصر على إخوته فحسب، بل يمتد ليشمل مصر وأهلها عبر الزمان، وعدًا يُعلن ختام رحلة ابتلاءٍ عظيم، وبداية دورٍ قدريٍّ كُتب لهذا الوطن أن ينهض به، ومنذ تلك اللحظة، بدأت مصر دورها الأزلي مهبطًا للأمان، وملاذًا للسكينة، وموطنًا تُصان فيه الحياة، وتُحفظ فيه الكرامة، وتستقر فيه النفوس، كأن الأمن قدرٌ مكتوب على أرضها، وميثاقٌ متجدد بين السماء والتاريخ.
لم يكن الأمن في مصر يومًا صدفة، ولا نعمةً بلا ثمن، بل حقيقةً حُفرت بدماء رجالٍ آمنوا بأن حماية الوطن عبادة، وأن صون الأرواح مسؤولية، وأن الوقوف على الثغور شرفٌ لا يعلوه شرف، فبقيت مصر وستبقى دارَ أمنٍ وسندَ طمأنينة، لأن في عروق رجال شرطتها دمًا لا يساوم، وقسمًا لا يُنكث.
في الخامس والعشرين من يناير، لا يستحضر المصريون ذكرى مواجهة رجال الشرطة مع الاحتلال الإنجليزي الغاشم فحسب، بل يستدعون جوهر فكرة الأمن ذاتها، تلك الفريضة التي لا تقوم دولةٌ إلا بها، ولا يستقر مجتمعٌ دونها، والتي جعلها الإسلام في مصاف المقاصد العليا للشريعة، التي جاءت الأديان من أجل حمايتها وصونها، وهي: «حفظ النفس، والدين، والعقل، والمال، والنسل».
لقد جسّد رجال الشرطة المصرية في هذا اليوم الخالد تفسيرًا عمليًا لمعنى المسؤولية، حين أدركوا أن الأمن ليس وظيفةً إدارية، بل عهدٌ ثقيل، وأمانةٌ تُؤدَّى ولو بالروح، فكانوا بحقٍّ ممن يحملون أمر الأمن، ويصونونه بالفعل قبل القول، وبالتضحية قبل الشعار.
حين دوّى إنذار الاحتلال البريطاني في الإسماعيلية عام 1952، لم يكن مجرد طلبٍ بتسليم السلاح، بل كان اختبارًا لإرادة أمةٍ بأكملها، عندها خرج صوت النقيب مصطفى رفعت، صارخًا من قلب التاريخ: «لن تتسلمونا إلا جثثًا هامدة»، ليختصر فلسفة الأمن المصري في جملةٍ واحدة: الكرامة أولًا… ولو كان الثمن الحياة.
وقف رجال الشرطة، بأسلحتهم البسيطة وإيمانهم الصلب، في مواجهة دباباتٍ ومدافعَ حديثة، ليصنعوا من مقرهم قلعةَ عزّة، ومن أجسادهم جدارًا للوطن.
ستةٌ وخمسون شهيدًا، وثمانون جريحًا، لم يسقطوا دفاعًا عن مبنى، بل عن مبدأ: «أن مصر لا تُسلَّم، وأن أمنها خطٌّ أحمر، وأن الدم حين يُراق من أجل الوطن يصبح تاريخًا لا يموت».
من رحم تلك الدماء، وُلد فجر يوليو، وتشكّل وعيٌ وطنيٌّ جديد، أدرك أن الأمن ليس سكونًا، بل فعل مقاومة، وأن الشرطة ليست جهازًا، بل روح وطنية تحرس الحلم المصري.
واليوم، وبعد أربعة وسبعين عامًا، لم تتوقف الملحمة، بل تبدّلت ميادينها وتنوّعت ساحاتها، فانتقل رجال الشرطة من مواجهة المحتل بالسلاح إلى مواجهة الإرهاب بالفكر والحسم، ومن حماية المنشآت إلى صون المجتمع بأكمله، ومن ضبط الشارع إلى تأمين المستقبل.
صار رجل الشرطة المصرية حاضرًا في كل زاوية من الوطن، ساهرًا في كمينٍ يحرس الأرواح، صامتًا في مهمةٍ يمنع بها خطرًا قبل أن يولد، ثابتًا في موقعه يحول بين الجريمة وطمأنينة الناس، يحمي الأرواح من بطش الخارجين على القانون، ويحفظ الممتلكات من الفوضى، ويؤمّن الطرق والجامعات ودور العبادة، ويخوض معركته المفتوحة ضد الإرهاب عقلًا وسلاحًا، ويتقدّم الصفوف في الكوارث والأزمات بيدٍ رحيمة قبل أن تكون حازمة.
ومع تسارع الزمن وتعقّد التحديات، واكبت الشرطة المصرية العصر بتقنيات حديثة وتوظيفٍ واعٍ للذكاء الاصطناعي، دون أن تتخلّى عن جوهر رسالتها الأصيل، بأن تظل في خدمة المواطن، حارسةً لأمنه، وسندًا لطمأنينته، وشريكًا في بناء مستقبلٍ آمنٍ لهذا الوطن.
إن الشهيد الذي يودّع أبناءه اليوم في سيناء، أو يقف في وجه خطرٍ داهم في قلب العاصمة، هو الامتداد الطبيعي لأبطال الإسماعيلية، نفس الروح، ونفس القسم، ونفس الإيمان بأن الوطن أغلى من العمر.
في عيد الشرطة الـ74، لا نكتب تهنئةً بروتوكولية، بل نؤدي شهادة حق، نحيّي رجالًا اختاروا أن يكونوا في الصف الأول دائمًا، وأن يدفعوا ثمن الأمن من أعمارهم وراحتهم ودمائهم، ونحيّي مؤسسةً تطوّرت أدواتها، وتعاظمت خبراتها، وبقي قلبها نابضًا بالمسؤولية والانتماء.
فالتحية لكل رجل شرطة يحمل السلاح ليحمي، ويحمل الرحمة ليخدم، ويحمل القانون ليُقيم العدل، والتحية لأسرٍ محتسبة، صابرةٍ تشارك الوطن تضحياته، والتحية لأرواحٍ طاهرةٍ كتبت بدمائها تاريخ العزّة، وتصنع حاضر الأمان، وتؤمّن المستقبل، لتبقى مصر كما أرادها الله آمنةً مطمئنة، وليبقَ رجال شرطتها «حراسَ أمنٍ وصنّاعَ طمأنينة».
كل عام، وجنود وضباط الشرطة المصرية بخير والوطن.. بأمان.