بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

من دفتر بطولات الشرطة المصرية:

رائحة بارود في أجواء شتوية.. ما أمكن رصده بموقعة سجن قنا العمومي

أرشيفية
أرشيفية

كان يومًا شتويًا باردًا من شتاء 2011، حركة المواصلات والمركبات على الطرق السريعة في محافظة قنا بطيئة وضعيفة، كما الحال فى شوارع المدن المتوجسة والمترقبة لطوارئ فى هذه الأيام العصيبة، ولكن موقعة سجن قنا العمومي أضافت إلى ذلك اليوم، سخونة ورائحة بارود.

فى وسط مدينة قنا، التى تعج طول الوقت فى تلك الفترة من النهار بالمركبات وخطوط المواصلات الداخلية التي تنقل السكان من وإلى عاصمة الإقليم، كانت حركة البيع والشراء على غير العادة.. المتاجر وملّاكها متأهبون للغلق فى أي وقت وعددً قليل من المارة فى الشوارع، كما هو الحال فى المقاهي التى كان روّادها يعدّون على أصابع اليد؛على غير العادة أيضا فى الظهيرة.

فى ظهيرة ذلك اليوم ـ أوائل فبراير 2011، كنت أجلس في مقهي الشيشة الشهير وسط مدينة قنا، وكنت رفقة المعلّم ممدوح بحيرة مالك المقهي، نتجاذب الحديث حول الأوضاع المتردية في ذلك الوقت، وكان المكان به عدد قليل من الروّاد على غير العادة أيضا. 

في تلك الأثناء؛ دوى صوت أعيرة نارية بشكل كثيف ويثير القلق، سمعه السكان فى وسط مدينة قنا، مع تحركات كبيرة ومتسارعة من مديرية أمن قنا. 

بدأت حركة المارة تندر وأغلقت المتاجر أبوابها وأصبح وسط المدينة خاليًا وساكنًا تماما، لا يقطعه سوي أصوات سيارة الشرطة التي تمر مُسرعة.

توقع المعلّم ممدوح بحيرة بخبرته؛ بأن صوت إطلاق النار مصدره غرب المدينة بعد أن خرج أمام المقهي ليستطلع الأمر، أجرينا اتصالات، فعرفنا نبأ معركة بين السجناء وحرّاس سجن قنا العموميّ ـــ قبل أن يتم نقله من موقعه لاحقًا،  كان السجناء يحاولون الهرب، بعد إحداث حالة شغب متعمد وفوضي لإرباك إدارة السجن.

 وقد شُوهدت هذه المحاولة من سكان المناطق المتاخمة للسجن: حوض 10، الميناء النهري، شارع المعتقل، الحميدّات، من أعلي منازلهم فسارعوا بإبلاغ مديرية أمن قنا، كان هؤلاء المواطنون محملّون بالخوف من سيناريو مشابه يقع فى بلدهم، كما حدث فى الأيام السابقة من اقتحام السجون وتهريب السجناء فى أكثر من محافظة وسجن.

واندفعت المدرعات وحاملات جنود المركزي والمصفحات، إلى الشوارع وانضمت إليها فى الطريق القوة المعينة لحراسة وتأمين ديوان عام المحافظة، لتصبح وكأنها حملة أمنية معززة بمعدات وأفراد تستعد لخوض معركة صعبة.

كانت إدارة السجن، قد طلبت العوّن والمدّد من مديرية أمن قنا، للسيطرة على الأوضاع التى كانت قد خرجت عن السيطرة نسبيًا، وصلت قوات الشرطة إلى محيط السجن وأغلقت المنطقة وبدأت المعركة واختلط الهواء برائحة بقنابل الغاز المسيل للدموع.

فشلت كل محاولات المعلّم ممدوح بحيرة في إثنائي عن الذهاب إلى موقع الأحداث المشتعلة غرب المدينة؛ بحثت عن تاكسي بصعوبة واشترط السائق عدم الاقتراب من الموقع!  

 

رائحة غاز وبارود! 

كانت رائحة الغاز المُسيل للدموع المختلطة برائحة البارود تعبأ الأجواء الشتوية الباردة، وكانت منطقة الأحداث مُغلقة تمامًا، ومن بعيد لمحت قيادة شرطية فأشرت له فسمح لي بالدخول.

فذلك اليوم، نفذ أهالي الحميدات شعار: الشرطة والشعب في خدمة الوطن! عندما تعاون سكان المنطقة مع قيادات الشرطة، فقد كانت المطاردات فى الأزقة والحواري وفي مدّاخل العقارات والزراعات المحيطة بين الأهالي والهاربين؛ تتم بحمية بالغة من المواطنين وكأنهم كانوا يدفعون خطرًا شخصيًا يهدّدهم مستقبلًا، وكنت تلمح الانتصار مرسومًا على وجوه الأهالي وهم يسلّمون سجينًا للشرطة أمسكوا به بعد مطاردة، فحتى الهاربين الذين تمكنوا من تغيير زي السجن تم ضبطهم. 

ومن بين الأهالي كان زميلنا محمد حمدي مدير مكتب المصري اليوم في المحافظة، يمارس دوره بصفته واحدًا من الحميدات وسكان المنطقة! 

وداخل جنبات السجن كانت هناك معركة عنيفة في الداخل بين القوات والسجناء، ثم هدأت الأجواء نسبيًا وقال لي قيادة شرطية  ظافرًا: «مديرية أمن قنا من مديريات الصمود، ولن نتخلى عن أرض مازلنا نكسبها»!

كانت ملحمة كبيرة في ذلك اليوم وتمت إعادة السيطرة الكاملة على السجن، بالتزامن تم تمشيط المنطقة وإغلاقها ونشر القوات للبحث عن السجناء الذين تمكنوا من الهرب حتى تم القبض على 62 من أصل 64 سجينًا وإعادتهم للسجن مرة أخري، فى غضون 35 دقيقة، بمعاونة سكان المنطقة الذين تعاونوا مع الشرطة فى الإمساك بالسجناء وإحباط هروبهم. 

هذه الواقعة لا يدّركها إلا شهود العيان فى ذلك اليوم، ولم تحظ هذه الملحمة بضوء الإعلام بشكل كاف، مرّت على استحياء وسط زخم كبير من الأحداث المتعاقبة التي مرت بها البلاد فى هذه الشهور.

صورة مجمعة لبعض احادث ذلك اليوم 
صورة مجمعة لبعض احادث ذلك اليوم