بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

قضية مسكوت عنها أم فتنة جديدة؟

المُلحد بين الحقيقة والإثارة.. هل يكشف الفيلم الواقع أم يفتح باب الفتنة؟

بوابة الوفد الإلكترونية

منذ الإعلان عن عرضه، لم يُنظر إلى فيلم «المُلحد» باعتباره عملًا سينمائيًا عاديًا، بل سرعان ما تحوّل إلى بؤرة جدل واسع بين مؤيدين والكثير من المعارضين، لا سيما داخل الأوساط الدينية، نظرًا لتناوله واحدة من أخطر القضايا العقدية في المجتمع، وهي قضية الإلحاد، فقد عبّر عدد من رجال الدين والدعاة عن رفضهم القاطع للفيلم، محذرين من أن طرح هذه القضية عبر الشاشة قد يفتح باب الشبهات أمام الشباب، ويسهم في تطبيع فكرة الإلحاد، مؤكدين أن العقيدة تمثل خطًا أحمر لا يجوز الاقتراب منه فنيًا أو دراميًا، وفي المقابل، يرى نقاد فنيون أن الإلحاد أصبح واقعًا قائمًا لا يمكن تجاهله، وأن مواجهته بالحوار والفكر أجدى من المنع والمصادرة. 

وبين هذين الاتجاهين، حسم القضاء الجدل قانونيًا بالسماح بعرض الفيلم، لتظل التساؤلات مطروحة حول حدود حرية الفن، ودور المؤسسات الدينية في مواجهة الشكوك الفكرية المتزايدة لدى الشباب، وما إذا كان المنع حلًا أم أن المواجهة بالحجة والعقل باتت ضرورة لا مفر منها.

فيلم المُلحد

فيلم «الملحد» هو عمل سينمائي درامي اجتماعي من تأليف إبراهيم عيسى وإخراج محمد العدل، ويدور حول صراع فكري وديني داخل أسرة واحدة، حيث يُعلن الابن إلحاده ويدخل في صدام حاد مع والده المتشدد دينيًا، وتعرّض العمل لتأجيلات متكررة نتيجة اعتراضات دينية قبل أن يُحسم الجدل قانونيًا بالسماح بعرضه بعد إجازته رقابيًا.

لماذا لا نصنع فيلم عن الوصول إلى الله؟

 الدكتورة نيفين مختار
 الدكتورة نيفين مختار

أكدت الداعية الإسلامية والواعظة بوزارة الأوقاف، الدكتورة نيفين مختار، رفضها لتناول قضية الإلحاد في الأعمال الفنية، متسائلة: "لماذا نصنع فيلمًا عن الإلحاد بدلًا من إنتاج عمل يوضح كيفية الوصول إلى الله وفهم قدرته وعظمته؟"

وأوضحت نيفين في تصريحاتها لجريدة الوفد، أن الإنسان مطالب بالتأمل في خلق الله والتفكر في قدرته في كل شيء حوله، مستشهدة بقول الله تعالى: "وفي أنفسكم أفلا تبصرون".

وأضافت: "عندما يمرض الإنسان، يساعده الطبيب، ولكن الشفاء بيد الله، فالطبيب نفسه يموت، وكل الحياة من ولادة ومرض ونجاة وموت تدبيرها بيد الله سبحانه وتعالى"، واستشهدت بأبيات الشاعر إبراهيم علي بديوي لتوضيح الفكرة:"قل للطبيب تخطفته يد الردى * ياشافي الأمراض: من أرداك؟قل للمريض نجا وعوفي بعد ما عجزت فنون الطب: من عافاك؟

 

وأوضحت نيفين أن إنتاج فيلم يركز على الإلحاد قد يفتح أذهان البعض على فكرة خاطئة، لذلك، الأجدى أن يكون العمل الفني وسيلة لتعريف الناس بعظمة الله وقدرته، خصوصًا إذا كان الهدف معالجة هذه الظاهرة في المجتمع.

وأكدت الداعية أن مجرد وجود الإلحاد في المجتمع لا يبرر إنتاج فيلم عنه، موضحة: "لماذا نعرض هذه الظاهرة بدلًا من توضيح الحقيقة؟ الهدف يجب أن يكون تعليم الناس، لا تحقيق مكاسب مالية أو شهرة، فمتاع الدنيا قليل مقارنة بعظمة الدين".

"الله في قلب كل عبد"

 الدكتور مختار مرزوق
 الدكتور مختار مرزوق

وفي هذا السياق قال الدكتور مختار مرزوق عميد كلية أصول الدين السابق بجامعة أسيوط، إن عرض قضايا الإلحاد في السينما المصرية أو الأعمال الدرامية والروايات يجب أن يتم بحذر شديد، مشيرًا إلى أن نشر مثل هذه الأفكار دون بيان مخاطرها يمثل خطرًا على المجتمع.

وأوضح مرزوق: "في جمهورية مصر العربية، غالبية الناس مسلمون يؤمنون بوجود الله وملائكته وكتبه ورسله، إضافة إلى أهل الكتاب من المسيحيين الذين يؤمنون بالله وفق عقائدهم، أما الذين لا يؤمنون بوجود الله إطلاقًا فعددهم قليل، ولا يجوز أن تُقدم لهم أعمال تدعو إلى الإلحاد أو تزري بالأديان السماوية".

 

وأشار مرزوق إلى أن تداول مثل هذه الأفكار على وسائل الإعلام أو منصات التواصل يؤدي إلى إثارة الصدمة والانزعاج لدى المؤمنين، مؤكدًا أن: "تشجيع الإلحاد ونشر هذه الأفكار يُعد جريمة أخلاقية واجتماعية، لأنه يتعارض مع القيم الدينية والاجتماعية في المجتمع المصري قبل أن يتعارض مع معتقدات أصحاب الكتب السماوية".

وأضاف الدكتور مرزوق نقطة مهمة للملحدين قائلاً: "الله سبحانه وتعالى موجود في قلب كل عبد عنده عقل، ومن هنا قال الشاعر: 'فيا عجبًا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد'، فكل شيء حولنا يحمل آية تدل على وحدانية الله.

 

السينما مرآة الواقع

 الناقد الفني طارق الشناوي 
 الناقد الفني طارق الشناوي 


فيما أكد الناقد الفني طارق الشناوي أن فيلم “المُلحد” لا يروّج للإلحاد كما يعتقد البعض، بل يدعو إلى الإيمان بالله ويرفض الإلحاد بشكل واضح وصريح.

وأوضح الشناوي أن الفيلم يخلو من أي عناصر تهديد أو ترهيب، ويتناول قضية فكرية قائمة بالفعل في المجتمعات المختلفة، بما فيها المجتمع المصري، مشيرًا إلى أن صُنّاعه قدّموا الإلحاد باعتباره فكرة خاطئة وخطيئة دون التباس. ولفت إلى أن عنوان الفيلم كان السبب الرئيسي في تفجّر الجدل وتأجيل عرضه، رغم أن العناوين الجريئة ليست جديدة على الثقافة المصرية، معتبرًا أن تغيير الاسم كان من شأنه تقليل حدة الأزمة.

واختتم الناقد الفني تصريحاته بالتأكيد على أهمية الفصل بين النقد الفني الموضوعي والجدل المبالغ فيه، مشددًا على قدرة السينما على مناقشة القضايا الحساسة بوعي وهدوء يفتحان باب الحوار، دون إثارة الفزع لدى الجمهور.

لا إكراه في الدين

يوضح الفيلم أن الأب المُتشدد قرر عمل جلسة استتابه للأبن حيث يتم قتله بعد 3 أيام إن لم يتوب، وهذا يفتح سؤال مهم حول كيفية تعامل الأهل مع الملحد، وعن هذا قالت الدكتور نيفين مختار أن قالت الدكتورة نيفين مختار إنها ترفض تمامًا فكرة عقد جلسات استتابة أو التعامل مع من يبتعد عن الدين بالعنف، مؤكدة أن الهداية بيد الله وحده، وأن الله سبحانه وتعالى قال لنبيه ﷺ: «أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين»، مشددة على أن الإيمان لا يأتي بالإجبار.

وأضافت: “أنا لا أُكره أحدًا على الإيمان، بل أكلمه بالحسنى، وأحاوره وأفهمه، فالإمام أبو حنيفة كان يضرب مثالًا بالسفينة، فيقول: هل يمكن لسفينة أن تسير وحدها دون ربان أو قائد؟ هل يمكن أن تُحمَّل بالبضائع وتبحر وتصل وتُفرغ حمولتها دون من يديرها؟ بالطبع لا. وكذلك الكون، لا يمكن أن يكون موجودًا ويدار وحده دون رب يدبره”.

 

وأكدت أن الأصل في البشر هو الفطرة السليمة، قائلة: “كل القلوب خُلقت على الفطرة، لكن الحياة قد تأخذ الناس بعيدًا، وقد يُخدع البعض باسم الدين أو باسم الهوى أو بسبب تشدد مرفوض. كثير ممن يلحدون يكون السبب تشددًا دينيًا قاسيًا، وهذا لا يمت للدين بصلة”.

وضربت مثالًا بأسلوبها في التربية، قائلة: “أنا داعية، وأتعامل مع أولادي بالهدوء، أقول لهم: صلّوا، فإن قاموا فالحمد لله، وإن لم يفعلوا فهم أحرار، أنا أبلّغ المعلومة فقط، لأن الفقه يقول إن من دخل الصلاة وهو كاره لها تبطل صلاته، والله غني عنا، لا يريد طاعة بالإجبار أو بالعنف”.

وأوضحت أن الله خلق الإنسان مختارًا، فقالت: “الله قادر أن يجعل الكون كله طائعًا أو كله عاصيًا، لكنه خلق الإنسان على منهج الاختيار، فخلق الله الملائكة وجعل لهم عقل وطاعة بلا شهوة، والبهائم خلقهم بشهوة بلا عقل، أما الإنسان فاجتمع فيه العقل والشهوة، ولذلك من يجاهد نفسه ويختار طاعة الله يتفوق على الملائكة”.

وشددت على أن من يبتعد عن الدين يحتاج إلى من يحتويه، لا من يعاقبه، قائلة: “هذا الإنسان يحتاج من يكلمه عن عظمة الله ورحمته، ويخبره أن باب التوبة مفتوح، وأن الله يقبل من رجع إليه، فالدين لا يأتي بالعنف، والرجوع إلى الله لا يكون بالقسوة”.

الإستتابه والقضاء  


ومن جانبة أكد الدكتور مختار مرزوق، أن إقامة الحدود في الإسلام، مثل ما عُرض في الفيلم من جلسات استتابة، ليست من اختصاص الأفراد أو المجتمع، وإنما هي من اختصاص ولي الأمر ومن يقوم مقامه، مشددًا على أن النظم الحديثة تجعل هذا الحق حصرًا في يد القضاء، وقال مرزوق: “في مصر، الجهة التي تقوم مقام ولي الأمر هي القضاء المصري الشامخ، ونحن نثق تمامًا في عدالته”.

وأضاف مرزوق أن الادعاءات حول قيام أفراد بإقامة الحدود على المواطنين هي محاولة لتشويه صورة الإسلام، متسائلًا: “أين هؤلاء الذين يقيمون الحدود؟ هذا الأمر غير موجود في الدول الإسلامية المستقرة سياسيًا مثل مصر، السعودية، الأردن، قطر، الكويت، والبحرين”.

وشدد على أن من يدّعون إقامة الحدود خارج إطار الدولة والقضاء لا يمثلون شرع الله ولا يصلحون للفتوى أو إبداء الرأي الديني، مؤكدًا أن ما يحدث في بعض الدول التي تعاني الفوضى لا يجوز تعميمه على الإسلام أو على الدول الإسلامية المستقرة.

واستشهد مرزوق بموقف لأحد شيوخ الأزهر في محافظة أسيوط، حين جاءه رجل معترفًا بذنب (الزنا) طالبًا إقامة الحد عليه، فنهره الشيخ قائلاً إن الحدود لا يقيمها إلا الحاكم أو من يقوم مقامه، أي القضاء في العصر الحديث، وأن الواجب عليه التوبة والاستغفار وعدم الجهر بالذنب.

واختتم مرزوق تصريحه لجريدة الوفد، قائلًا:" أنصح هؤلاء الأشخاص بقراءة بعض الكتب التي تثبت وجود الله دلالة عقلية، مثل كتاب 'رسالة التوحيد' للإمام محمد عبده، وكتاب 'الله يتجلى في عصر العلم' لمجموعة من علماء الغرب، حيث أشار الشيخ عبد الحليم محمود رحمه الله عليه إلى هذين الكتابين منذ أكثر من نصف قرن، وقد عاد بعض الملحدين بعد قراءتهم لهذه الكتب إلى الإيمان بفكرة وجود الله سبحانه وتعالى".


في الختام، يبقى فيلم «الملحد» نموذجًا على الحاجة لإيجاد توازن دقيق بين حرية الفن والحفاظ على القيم الدينية في المجتمع المصري.

 فبينما يعتبر صُنّاع الأعمال الفنية أن السينما مرآة المجتمع ووسيلة لمناقشة وقائع الحياة، حتى وإن كانت صادمة، يرى رجال الدين أن تناول قضية الإلحاد على الشاشة قد يضلل الشباب، مؤكدين أن الحوار العقلاني والموعظة الحسنة هما السبيل الأمثل لتصحيح المفاهيم بعيدًا عن العنف والإكراه. 

وفي الوقت نفسه، يشدد المختصون على أن تطبيق الحدود العقابية يبقى من اختصاص القضاء وحده، ما يعكس التزام مصر بالقانون والنظام ويضمن عدم تشويه صورة الإسلام أو إساءة فهمه في مجتمع متدين ومستقر.