على فكرة
زياد رحبانى..كيفك أنت
من الصعب أن تضفى تصنيفاً واحداً على هذا الكتاب الجميل الصادر قبل أسابيع عن منشورات بتانة، للشاعر الغنائى والكاتب المسرحى والفنان التشكيلى «إبراهيم عبدالفتاح» تحت عنوان «كيفك أنت زياد رحبانى». هل هو حقا كما حمل غلافه سيرة لزياد رحبانى، أم قصيدة نثرية ترثى رحيله المباغت يوليو الماضى،حين التقطت على طريقة فن القص واللصق، من أغانى زياد وموسيقاه ومسرحياته وأحاديثه،و مفردات سيرته العائلية، صورا بصرية غير مرتبة الوقائع والتواريخ،لحياته وفلسفته فى الفن والموسيقى والغناء والحياة،فرسمت لوحة فنية مبهرة، لظاهرة لم تأخذ حظها من انتشار جماهيرى واسع؟. أم هو سيناريو، يكشف فيه الشاعر – الذى يخشى هونفسه من التصنيفات –عما يحبه هو ويحتاج إليه، بالحديث عن نجم هوى تحدى فنه ماهو سائد وتمرد عليه، داخل بيت أسرته وخارجها، فصنع أسطورته فى الغناء والموسيقى ووضع بها بصمته الفريدة،وغير فى ذائقة المتلقى، كما فى مسار النهج الرحبانى لفيروز؟استطيع القول أن الكتاب ينطوى على كل هذا معا.
كان زياد رحبانى-1956-2025- ابناً للقهر اللبنانى السياسى والاجتماعى والوطنى،الذى رسخه صراع طبقى وطائفى،على التفوق والنفوذ المالى والسياسى وعلى السلطة بين الطوائف، التى اختصمت فى كل شىء واجتمعت على محبته، لكن فقط، فى سرادق عزاء رحيله. خاصم زياد كل أشكال «المؤسسة» فبادلته العداء، ثم عدلت سلوكها بعد رحيله، ربما تحسباً لشلالات الأحزان التى امتلأت بها قلوب محبيه فى لبنان وخارجه، فوضعت اسمه على أهم طرق العاصمة بيروت التى تربط بينها وبين مطارها، فصار اسمه «جادة زياد رحبانى» بدلًا من جادة «حافظ الأسد».
فى كل عصور مضت، كانت فنون الغناء والموسيقى والمسرح مرآة لتلك العصور، نقرأ عبرها أوجاع الناس، وأفراحها وأحلامها، وفى ظاهرة زياد الرحبانى الفنية التى اشتبكت مع،ونهلت من تراث الرحبانية وسيد درويش وإمام عيسى،نقرأ كتابا مفتوحا يصبو شوقاً إلى عدل ميزان الكون لصالح المظلومين والفقراء ومن لأصوت لهم من المحرومين من العدالة والحرية والحياة الإنسانية «فأنا مش كافر بس الجوع كافر». كما قال ونقول.
صاغ زياد رحبانى من الأشياء اليومية العادية والمألوفة التى تأبى الفنون المحافظة الاقتراب منها،دعائم عالمه الفنى الصادق الذى صدح كما قال المؤلف ضد الساسة والسلطة والدجل والادعاء،فاحتل بذلك مكانته فى قلوب محبيه،بسخرية مريرة تفضح ما هو مسكوت عنه سياسيا واجتماعيا. فمن جرؤ يا ترى على القول مثله فى مجتمعات يطحنها الاستهلاك، وتموج بالشكليات والمظاهر الكاذبة، فيما كتبه ولحنه بحزن ملأ قلبه وروحه «أحبك.. بلا ولا شى، ولا فيه بها الحب مصارى، ولا ممكن فيه ليرات، ولا فيه مجوهرات، تعى نقعد بالفى،مش لحدا ها الفى، حبينى وفكرى شوى». وربما بسبب ذلك ذكر زياد بأسى، فى حديث له أن النساء الثلاث اللاتى دخلن حياته، قد خانوه!
لعل اختيار «إبراهيم عبدالفتاح» أغنية «كيفك أنت» التى كتبها زياد ولحنها ووزعها عنواناً للكتاب، كان يهدف بجانب ذكاء الاختيار وعذوبته،الإشارة إلى المسار الحداثى الذى أضفاه زياد إلى مشوار فيروز الغنائى المطبوع بتجربة الرحبانية، وجددته وأضافت إليه من تجربته الإبداعية الفريدة. تتحدث كيفك أنت عن أمرأة تخاطب شخصاً التقته بعد سنوات من فراق وغياب، وتقول له بلهفة المشتاق وعتابه: كيفك قال بيقولو صار عندك ولاد، أنا والله كنت مفكرتك برات البلاد، شوبدى بالبلاد،الله يخلى الولاد، بيطلع ع بالى أرجع أنا وياك، أنت حلالى أرجع أنا وياك، أنا وأنت مالا أنت».
صاغ إبراهيم عبدالفتاح بعذوبة عالمه الشعرى من كتابه «كولاج» لسيرة زياد مسترجعاً برقة وحنان منمنمات من بعض أفراد أسرته فضلاً عن عالمه الفنى، ليرسم بها تلك اللوحة الفاتنة التى تكشف– ربما- الصلة الفنية الوثيقة بين عالمى الشاعر والموسيقار.