بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

كيف تُصنع سيناريوهات الحرب قبل وقوعها؟

في زمنٍ كانت فيه الحرب تبدأ ببلاغ رسمي أو بيان عسكري، أصبحنا اليوم نعيش عصرا ً مختلفا ً تُطلق فيه الحرب أولا ً على وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تُطلق في السماء أو البحر.
تقرأ منشورا ً طويلا ً، مليئا ً بالأرقام، وتواريخ التحركات، وأسماء حاملات الطائرات، وأنواع المقاتلات، وحتى أطنان المعدات؛ فتشعر أن العالم يقف على حافة ضربة كبرى، وأن أيامنا القادمة محسومة، وأن ما سيحدث “تم اتخاذ قراره بالفعل” .. بينما الحقيقة في كثير من الأحيان أن ما قرأته ليس سوى “سيناريو مكتوب بإحكام”، هدفه أن يزرع فيك اليقين قبل أن تتأكد أنت من الواقع.
المشكلة ليست في أن العالم لا يشهد تصعيدا ً ؛ بل يشهده بالفعل.
وليس في أن أمريكا لا تتحرك عسكريا ً ؛ فهي تتحرك.
وليس في أن الشرق الأوسط لا يعيش فوق فوهة بركان ؛ فهو كذلك منذ عقود.
لكن المشكلة الحقيقية هي أن هناك فرقا ً ضخما ً بين “تحرك” و”قرار”، وبين “تموضع” 
و "ضربة”، وبين “استعداد” و"حرب شاملة”.
فمن طبيعة القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، أن تُبقي حضورها العسكري متغيرا ً حسب الرسائل المطلوبة؛ فأحيانا ً تنقل حاملة طائرات، أو تحرك أسرابا ً، أو تزيد من شحناتها، لا لأنها قررت الحرب غدا ً، بل لأنها تريد أن تقول لمن يقرأ الرسالة
“أنا حاضر، وقادر، ومستعد”.
وهنا يبدأ الخلط عند المتلقي؛ لأن الذهن البشري حين يواجه سيلا ً من التفاصيل، يظن أن التفاصيل تعني الحقيقة، وأن كثرة المعلومات تعني دقة القرار ، بينما الواقع يقول عكس ذلك تماما ً: قد تكون التفاصيل نفسها جزءا ً من فخ نفسي هدفه أن يخدع عقلك بالزخم.
ولهذا انتشرت في السنوات الأخيرة كلمة “OSINT” أو الاستخبارات المفتوحة؛ وهي فكرة محترمة في أصلها، تقوم على تتبع المعلومات المتاحة للعامة وتحليلها، لكنها تحولت عند كثيرين إلى سلاحٍ عاطفي، لا علمي.
يتابع أحدهم حركة طائرة شحن فيعلن الحرب.
يرى آخر توقف جهاز تعريف سفينة فيجزم بأن الضربة بعد ساعات.
يشاهد ثالث صورة قمر صناعي؛ فيحدد لك يوم الضربة وساعتها.
مع أن الحقيقة أن الجيوش لا تتحرك فقط للحرب ؛ بل للتحذير، والردع، والضغط، وإعادة التموضع، وتقديم الدعم السياسي، ورفع سقف التفاوض.
والأخطر من ذلك أن بعض المنشورات لا تكتفي بتقديم “مؤشرات”، بل تبيع لك “حتميات” .. فمثلا ً تقول لك إن ما حدث في دافوس كان تشتيتاً  
مقصودا ً قبل الضربة على إيران.
وتربط لك بين خلاف أمريكي أوروبي، وبين تحرك حاملات، وبين تمركزات جوية، ثم تقفز في النهاية إلى استنتاج حاسم: “الضربة الشاملة خلال أيام”.
وهنا ينبغي أن نسأل سؤالا ً بسيطا ً:
إذا كانت الحرب بهذا الوضوح ؛ فكيف يعرفها كاتب منشور على منصة .. بينما لا تُعلنها المؤسسات الكبرى؟
وكيف يحدد توقيتها من داخل هاتفه .. بينما مراكز القرار نفسها تتغير حساباتها كل ساعة حسب رد فعل الخصم والشارع والأسواق والحلفاء؟
الحروب الكبرى لا تُدار بهذه البساطة، لأن الضربة الشاملة ليست قرارا ً عسكرياً  فقط، بل قرار اقتصادي وسياسي ومالي وإعلامي.
قرار يضع أمامه أسئلة ضخمة:
ما تكلفة الحرب؟
ما رد فعل إيران؟
ما رد فعل الحلفاء؟
ما مصير الملاحة؟
ما وضع النفط؟
ما وضع الأسواق؟
ما فرص تمدد الصراع؟
وما احتمال أن تتحول الضربة المحدودة إلى حرب إقليمية مفتوحة؟
كل هذه الأسئلة لا يجيب عنها منشور طويل مهما بدا محكما ً، ولا يحسمها تحليل على منصة مهما بدا عسكريا ً.
وإذا أردت أن تميز بين “إنذار حقيقي” و”فخ نفسي”، فراقب شيئين لا ثالث لهما:
أولا ً، هل هناك تصريح رسمي واضح أو تسريبات مؤكدة من مصادر كبرى متقاطعة؟
وثانيا ً، هل هناك تمهيد سياسي عالمي يشبه تمهيدات الحروب السابقة، أم أن المشهد كله قائم على منشورات وصور وتعليقات وتحليلات فردية؟
لا نقلل من خطورة التوتر القائم ولا ننكر أن المنطقة قابلة للاشتعال؛ لكننا نرفض أن يتحول المواطن إلى فريسة للفزع الجماعي، أو أن يصبح رهينة لسيناريوهات تُكتب له بمهارة ليعيش داخلها قبل أن تقع.
المؤشرات قد تكون صحيحة؛ لكن الاستنتاج قد يكون مضللا ً.
التفاصيل قد تكون واقعية؛ لكن الهدف من جمعها قد يكون هو التلاعب بك.
والحقيقة أن أخطر ما يفعله التضليل ليس أنه يكذب عليك؛ بل أنه يخلط الصدق بالكذب حتى تفقد القدرة على التمييز.
ولهذا؛ فإن الوعي اليوم ليس رفاهية ً .. بل ضرورة أمن قومي.
والتوازن في فهم الأحداث ليس ضعفا ً .. بل حصانة ً.
ومن حقك أن تتابع وتقلق لكن ليس من حق أحد أن يبيع لك الخوف في صورة تحليل.
لأن الخوف حين يصبح مادة ً يومية، يفقد الناس حكمتهم، ويستسلمون للانفعال، وتصبح الساحة جاهزة لمن يريد أن يحركهم لا بما يحدث؛ بل بما يتوقعون حدوثه.