بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

المغرب.. اللقاء الأول

 

 

لم تكن زيارتي الأولى إلى المغرب مجرد عبور جغرافي من بلد إلى آخر، بل كانت عبورًا إنسانيًا من فكرةٍ مسبقة إلى حقيقةٍ مدهشة. دخلت المغرب وأنا أحمل فضول الزائر، وخرجت منه وأنا أحمل امتنان الشاهد، وبين الدخول والخروج تعلّمت أن بعض الأوطان لا تُزار… بل تُعاش.

منذ اللحظة الأولى، لا يستقبلك المغرب بواجهات رسمية ولا بابتسامات مصطنعة، بل يستقبلك بأناس حقيقيين، بقلوب مفتوحة، وكأنهم يعرفونك منذ زمن. هناك لا يُسأل الضيف: من أنت؟ بل يُسأل ضمنيًا: ماذا تحتاج؟ وهذه ليست مجاملة عابرة، بل ثقافة راسخة، وسلوك يومي، وتربية وطن.

المغربي لا يمنّ عليك بكرمه، لأنه لا يراه كرمًا أصلًا، بل واجبًا أخلاقيًا. يقدم لك المساعدة بهدوء، ويشاركك الطريق دون أن ينتظر شكرًا، ويمنحك من وقته بابتسامة خالية من الحسابات. في المغرب، الإنسان ليس تفصيلاً، بل هو العنوان.

ما شدّني في هذه التجربة ليس فقط دفء المعاملة، بل تلك النبرة الواثقة في التعامل، نبرة بلد يعرف من هو، ولا يحتاج أن يثبت نفسه بالصوت العالي. المغرب لا يتباهى بتاريخه، لأنه يمشي به. ولا يرفع شعارات عن التعايش، لأنه يمارسه.

هنا تتجاور الذاكرة الأندلسية مع الروح الإفريقية، ويلتقي العربي بالأمازيغي، دون صراع هوية أو عقدة انتماء.
المدن المغربية لا تُستعرض، بل تُحاورك. الأزقة القديمة تحكي أكثر مما تقول الكتب، والمقاهي الشعبية أكثر صدقًا من أي خطاب رسمي. تشعر أن المكان شريك في الحديث، وأن الجدران تحفظ أسرار العابرين وتردّ التحية بصمت نبيل.

أما الدولة، فحضرت دون أن تطغى. نظام واضح، احترام للقانون، وانضباط لا يخنق الروح. كل شيء في مكانه، دون استعراض، ودون فوضى. وهذا التوازن بين الصرامة والمرونة، بين السلطة والخدمة، هو ما يجعل الزائر يشعر بالأمان دون أن يفقد خفة الحركة.

في المغرب، لم أشعر أنني "ضيف ثقيل"، بل إنسان مرحّب به. لم أُعامل كغريب، بل كواحد من العائلة الكبيرة التي اسمها "الناس". وهذا الشعور نادر، وثمين، ولا تصنعه البروتوكولات، بل تصنعه القيم.

أكتب هذا المقال لا بدافع المجاملة، ولا من باب السياحة العاطفية، بل من موقع الامتنان. الامتنان لشعب يعرف كيف يكون كريمًا دون ضجيج، ولبلد يحترم نفسه فيحترمه الآخرون، ولمجتمع علّمني أن الأخلاق ما زالت قادرة على أن تكون سياسة يومية. المغرب لا يحتاج شهادة من زائر، لكن الزائر يحتاج أن يشهد له.
وأنا أشهد: أن المغرب ليس بلدًا يُزار مرة واحدة… بل تجربة تُعيد تعريف معنى الوطن، ومعنى الإنسان.