الإخوان في أوروبا.. نشاط سياسي بغطاء قانوني وأهداف أمنية مقلقة
في ظل تصاعد التهديدات الأمنية عالميًا، وتنامي نشاط الجماعات المتطرفة داخل عدد من العواصم الغربية، تبرز تساؤلات ملحّة حول أسباب استمرار وجود تنظيمات مصنّفة إرهابية أو حاضنة للفكر المتطرف داخل دول كبرى، وعلى رأسها بريطانيا، التي تحولت خلال العقود الماضية إلى مركز رئيسي لنشاط عدد من التنظيمات الإسلامية المتشددة، وفي مقدمتها التنظيم الدولي لجماعة الإخوان.
ويفتح هذا المشهد الباب أمام نقاش واسع بشأن سياسات الدول الغربية في التعامل مع الإرهاب، وحدود ما يُعرف بـ«التسامح القانوني»، ومدى قدرة هذه السياسات على تحقيق توازن حقيقي بين متطلبات الأمن القومي وحماية الحريات العامة، دون أن تتحول إلى ثغرة تستغلها الجماعات المتطرفة لإعادة إنتاج نفسها.
بريطانيا ملاذ آمن للجماعات المتطرفة
في هذا السياق، كشف العقيد حاتم صابر، خبير مكافحة الإرهاب الدولي، عن كواليس خطيرة تتعلق بتمركز عدد من التنظيمات المتطرفة داخل بريطانيا، موضحًا الأسباب الحقيقية التي تدفع هذه الجماعات إلى اتخاذ لندن مقرًا رئيسيًا لأنشطتها السياسية والتنظيمية والإعلامية.
وأوضح صابر أن عددًا كبيرًا من التنظيمات الإرهابية والتيارات التكفيرية تعتبر بريطانيا دولة «عادلة» من وجهة نظرها، بسبب القوانين التي تضمن حرية التنظيم والعمل السياسي، حتى وإن كانت هذه الأنشطة تخدم أيديولوجيات متطرفة، مؤكدًا أن هذا المناخ القانوني شكّل بيئة جاذبة لتلك الجماعات.
وأشار إلى أن السلطات البريطانية تتبع سياسة غير معلنة تقوم على «الاحتواء الأمني» بدلًا من المواجهة المباشرة، عبر السماح بوجود هذه التنظيمات على أراضيها، مقابل ضمان عدم تنفيذ عمليات إرهابية داخل الداخل البريطاني، وهي سياسة وصفها بأنها قصيرة النظر وخطيرة على المدى البعيد.
الإخوان أخطر أذرع التنظيم الدولي في المنطقة
وأكد خبير مكافحة الإرهاب أن فروع جماعة الإخوان في مصر والأردن ولبنان تُعد من أخطر وأهم الفروع في منطقة الشرق الأوسط، نظرًا لثقلها التنظيمي وقدرتها على التأثير في المشهد السياسي والأمني داخل دولها.
وأوضح أن هذه الفروع تمثل العمود الفقري للتنظيم الدولي، وتلعب أدوارًا محورية في دعمه سياسيًا وإعلاميًا وماليًا، ما يجعلها أدوات ضغط حقيقية تُستخدم في إدارة الصراعات الإقليمية، وتهديد استقرار الدول الوطنية.
وأضاف صابر أن السبب الرئيسي وراء صعوبة تجريم التنظيم الدولي لجماعة الإخوان عالميًا يعود إلى تمركز قياداته الرئيسية في بريطانيا، حيث يتمتع بحماية قانونية واضحة، تعقّد أي تحرك دولي مباشر ضده، وتمنحه مساحة واسعة لإعادة ترتيب صفوفه والتواصل مع فروعه حول العالم بعيدًا عن الرقابة الصارمة.
وفيما يتعلق بالموقف الأمريكي، أوضح صابر أن الولايات المتحدة تتجنب الاصطدام المباشر مع التنظيم الدولي للإخوان، لما قد يسببه ذلك من توترات سياسية ودبلوماسية مع حلفائها، خاصة في أوروبا.
وأشار إلى أن واشنطن تبنّت استراتيجية بديلة تقوم على حظر أنشطة بعض فروع الجماعة في دول محددة، وفرض قيود أمنية واقتصادية وتشريعية على كيانات وشخصيات مرتبطة بها، في محاولة لتقليص نفوذ التنظيم دون الدخول في مواجهة شاملة قد تكون مكلفة سياسيًا.
صراعات داخل التيار المتطرف
ولفت خبير مكافحة الإرهاب إلى أن التيارات الإسلامية المتشددة نفسها دخلت في صراعات فكرية حادة مع جماعة الإخوان عبر مراحل مختلفة، وصلت في بعض الأحيان إلى تكفير الجماعة واتهامها بالنفاق والزندقة، في إطار صراع على «الشرعية الدينية» وقيادة المشهد الإسلامي المتطرف.
وأكد أن هذه الخلافات كشفت الطبيعة الانتهازية لتلك الجماعات، التي توظف الدين كأداة لتحقيق مكاسب سياسية وتنظيمية، دون اعتبار حقيقي للقيم الدينية التي تزعم الدفاع عنها.
تركيا تعيد حساباتها
واختتم صابر تصريحاته بالإشارة إلى أن تركيا بدأت مؤخرًا في مراجعة موقفها من جماعة الإخوان، بعد أن أدركت أن التنظيم لم يعد ورقة رابحة لتعزيز نفوذها الإقليمي كما كان يُعتقد سابقًا.
وأوضح أن هذا التحول يعكس براغماتية سياسية واضحة لدى أنقرة، دفعتها إلى إعادة ترتيب أوراقها الإقليمية وفق حسابات المصالح الاستراتيجية، والابتعاد عن الرهانات الخاسرة التي أثقلت كاهل سياستها الخارجية خلال السنوات الماضية.