عام أسود فى البيت الأبيض
خسر الجميع وكسب «ترامب»
خلال 365 يومًا لم يغب فيها الرئيس الأمريكى سوى يومين فقط، انقلب المشهد رأسًا على عقب وأثار اختفاؤه القصير موجة تساؤلات حول سر الغياب فى زمن اعتاد فيه العالم على حضوره الصاخب والمتواصل، أما بقية الأيام فقد ملأ دونالد ترامب الفضاء السياسى بضجيج لا ينتهى حتى وصلنا الى يوم إتمام عام كامل على ولايته الثانية، حيث احتفل الثلاثاء بمرور عام على عودته الى البيت الأبيض بمجلد يحمل عدد أيام حكمه مكون من ٣١ صفحة، فيما كانت شوارع نيويورك تمتلئ بمظاهرات غاضبة ضد سياساته.
قال أحد المتظاهرين إنه مثل الديكتاتور يفعل ما يحلو له ويبدو أنه لا أحد قادرًا على إيقافه وقال آخر إنه غاضب لأنه لم يحصل على جائزة نوبل للسلام مثل طفل فى الخامسة من عمره يدوس بقدميه ويقول حسناً سأنتقم إذن.
فى الداخل، افتتح «ترامب» مؤتمره الصحفى لأكثر من ساعة و٤٥ دقيقة عرض صورًا لأشخاص قالت إدارة الهجرة والجمارك إنهم مجرمون عنيفون تم ترحيلهم وألقى باللوم على جو بايدن فى كل ما تعتبره إدارته فوضى متراكمة، وفى الخارج بدا ترامب وكأنه يستأنف مشروعًا قديمًا بعقلية رجل أعمال يرى فى السياسة الخارجية صفقة مفتوحة لا ميدان قيم أو عواطف.
مع عودته الى البيت الأبيض ظهر «ترامب» وكأنه يعود إلى الشرق الأوسط باعتباره ساحة استثمار سياسى وتجارى لا منطقة نزاعات إنسانية وفى قلب هذا المشروع أعاد غزة الى واجهة أولوياته مقدمًا نفسه مرة اخرى بوصفه الصديق الأوفى لإسرائيل وعرّاب فرض السلام بالقوة.
برغم العلاقة المتقلبة التى تجمعه ببنيامين نتنياهو بين تقاطع المصالح وتباين الحسابات أثبت ترامب بعد عام واحد لليمين الإسرائيلى المتطرف أنه الحليف الأكثر صلابة لا بدافع وجدانى أو ارتباط تاريخى بتل أبيب بل بمنطق نفعى صرف كما يصفه الخبيران آرون ديفيد ميلر ودانيال كورتزر دعم وظيفى وتكتيكى يهدف إلى حصد مكاسب سياسية داخلية وخارجية من استقطاب الإنجيليين الى استخدام الورقة الإسرائيلية كسلاح ضد الديمقراطيين.
«ترامب» الذى قاد فى ولايته الأولى صفقة القرن واعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة وأغلق مكتب منظمة التحرير واعترف بالجولان وشرعن الاستيطان عاد اليوم ليبنى على تلك الإرثية بمزيج من خطاب السلام القسرى ونظرة تجارية أسقطها على أكثر الملفات حساسية.
فى غزة تجلت هذه المقاربة بشكل صادم إذ طرح فكرة إعادة توطين مليونى فلسطينى فى مصر والأردن وإرسال قوات أمريكية للسيطرة على القطاع وبناء ما سماه ريفيرا الشرق الأوسط، وهو مقترح أثار غضب القاهرة وقلق عمان واستياء قطاعات واسعة من العرب والمسلمين الأمريكيين، لكنه كشف عن جوهر تفكير ترامب كمطور عقارى يرى فى الجغرافيا فرصة استثمار لا مأساة إنسانية.
رفضت إدارته اعتبار الإسقاط الجوى للمساعدات خيارًا جديًا وأدخلت منظمة غزة الإنسانية المثيرة للجدل وعين على رأسها قسيسًا إنجيليًا معروفًا بدعمه لإسرائيل، كما سمى مايك هاكابى سفيرًا فى تل ابيب فى إشارات إضافية الى الطابع الأيديولوجى الجديد للسياسة الأمريكية فى القطاع.
على مستوى العلاقة مع نتنياهو فرض ترامب خلال عامه الأول نسخته الخاصة من السلام بالقوة أعيد خلالها جميع الرهائن الأحياء، وانخرطت واشنطن فى حرب قصيرة مع ايران وفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية لحماية رئيس الوزراء الإسرائيلى، ومع ذلك أظهر قدرة غير مسبوقة على تجاوز إسرائيل أو الضغط عليها من فتح قنوات مع حماس الى التفاوض مع طهران والتفاهم مع الحوثيين، ورفع العقوبات عن سوريا وصولًا الى تهميش تل أبيب فى جولته الإقليمية وإجبار نتنياهو على اعتذار علنى بعد قصف قطر وتهديده بالانسحاب من المسار السياسى.
خلال عام واحد فقط وقع ترامب 229 أمرًا تنفيذيًا وهو رقم يفوق بكثير ما وقعه أسلافه المعاصرون، وكذلك العام الأول من ولايته الاولى حين وقع 55 أمرًا فقط للمقارنة وقع جو بايدن 77 أمرًا تنفيذيًا فى عامه الأول بينما وقع باراك أوباما 40 أمرًا فى العام الاول من ولايته الأولى و20 أمرًا فى العام الأول من ولايته الثانية.
بعد عام على عودة ترامب لم تعد السياسة الخارجية الأمريكية كما عرفها العالم طوال عقود بل تحولت الى انعكاس مباشر لمزاج رئيس مهووس بإرثه قلق على شعبيته فى الداخل ويوجه اندفاعه نحو الساحة العالمية بعقلية زعيم إمبراطورى يرى فى القوة وحدها معيار الشرعية.