بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

مبين

جوائز للضوء فى العتمة

فى المشهد الثقافى، نرفع كثيرًا شعار المساواة، لكن المساواة التى تتجاهل اختلاف التجربة ليست عدلًا كاملًا. أن يُطلب من الكاتب الذى شق طريقه عبر عوائق جسدية وبصرية وسمعية أن يقف فى النقطة نفسها دون اعتراف بخصوصية رحلته، هو إنصاف شكلى لا يمس الجوهر.

الجوائز الأدبية، فى معناها الأعمق، ليست احتفالًا بالنص وحده، بل احتفاء بالمسار الإنسانى الذى أنتجه. حين يغيب هذا الوعى، تخسر الثقافة فرصة ثمينة للاكتمال. إن تخصيص جوائز تشجيعية وتقديرية من الدولة للكتاب من ذوى الهمم ليس فصلًا لهم عن السياق العام، بل جسر مؤقت يعبرون عليه نحو الضوء بعد طول انتظار.

هذه النصوص التى كُتبت ببطء وإصرار، وبثقة فى الكلمة كملاذ أخير، لا تطلب شفقة ولا استثناء دائمًا. إنها تطلب أن تُقرأ بإنصاف، وأن يُمنح أصحابها ما يستحقونه من رؤية واعتراف. الإبداع الحقيقى لا يخجل من اختلافه، ولا يحتاج إلى تبرير وجوده.

من يقرأ تاريخ الثقافة المصرية يدرك أن العبقرية لا تعرف حدودًا للحواس. قد نجد فى مصر اليوم عشرات من طه حسين وأبي العلاء المعرّى وآخرين، ينتظرون فقط فرصة ومساحة ليظهروا نورهم وإبداعهم. هذه الإمكانيات الكامنة تجعل تخصيص جوائز تشجيعية وتقديرية للكتاب من ذوى الهمم ضرورة حقيقية، لا مجرد اقتراح.

فليس كل من حُجب عنه الكمال الظاهر عاش فى الظل. هناك من تعلم أن يبدع رغم العوائق، وأن يصغى للعالم من مسافة أعمق، وأن يكتب بوصفه ضرورة إنسانية لا حالة.

وفى الهامش البعيد عن الأضواء تتشكل نصوص لا تشبه السائد، لأنها وُلدت من تجربة مختلفة، ومن صبر طويل على اللغة والحياة معًا.

الكاتب من ذوى الهمم لا يصل إلى الكتابة المتميزة مصادفة، بل كما يصل العطشان إلى الماء. يحمل فى داخله ذاكرة مثقلة بالاختبار، وحساسية مفرطة تجاه التفاصيل الصغيرة التى لا يلتفت إليها العابرون. لذلك تبدو كتابته أقرب إلى الهمس الصادق من الخطاب العالى، وأصدق من أن تُجامل، وأعمق من أن تُختزل.

لثقافة تريد أن تكون مرآة لمجتمعها، لا يمكنها أن تعكس صورة ناقصة. تخصيص جوائز أدبية للكتاب من ذوى الهمم هو فعل وعى قبل أن يكون قرارًا إداريًا؛ إقرار بأن الإبداع أوسع من القوالب وأغنى من المقاييس الجاهزة. حين نمنح هؤلاء الكتّاب مساحة تقدير وتشجيع حقيقية، لا نضىء طريقهم وحدهم، بل نعيد للثقافة معناها الأصيل؛ أن تكون بيتًا يتسع للجميع، دون استثناء ودون ظلال.