شرطة مائلة
نتنياهو وتوريث سلطة اليمين الفاسد
في الظاهر، قد يبدو تعيين يائير نتنياهو- ابن بنيامين نتنياهو- عضوًا في مركز حزب هليكود تفصيلًا تنظيميًا داخليًا، لكن القراءة المتأنية للسياق السياسي والاجتماعي والقانوني في إسرائيل تكشف أن ما جرى يتجاوز بكثير مسألة عضوية حزبية عادية، حيث تتقاطع فيها السلطة الإسرائيلية مع الفساد، والحزب مع العائلة، والأطراف المنسية مع مركز قرار لا يعرفها ولا يعيش واقعها.
لا يمكن فصل دخول يائير نتنياهو إلى مركز هليكود عن اللحظة التي تعيشها إسرائيل في عهد بنيامين نتنياهو، رئيس حكومة يحاكم جنائيًا منذ عام 2020 في ثلاث قضايا فساد مركزية هزّت ثقة الجمهور بالنظام السياسي والقضائي معًا، هذه القضايا، التي تتراوح بين تلقي الهدايا من رجال أعمال نافذين، والتلاعب بالتغطية الإعلامية، وصولًا إلى شبهات رشوة مباشرة مقابل امتيازات تنظيمية ضخمة، لم تعد مجرد ملفات قانونية، بل تحولت إلى بنية ضاغطة على النظام السياسي الإسرائيلي، في هذا السياق، لم تعد الحصانة البرلمانية تفصيلًا إجرائيًا، بل أداة بقاء سياسي، وشرطًا أساسيًا لإطالة عمر سلطة بيبي وعائلته وتحييد القضاء.
ضمن هذا المنا؛ يظهر يائير نتنياهو بوصفه أكثر من "نجل رئيس حكومة"، فمنذ سنوات، يلعب دورًا سياسيًا غير رسمي، لكنه فاعل، في هندسة خطاب اليمين، وتأجيج الاستقطاب، والتأثير على قواعد جماهيرية عبر شبكات التواصل، نفوذ بلا منصب، وتأثير بلا مسؤولية، وسلطة ظل لا تخضع لأي مساءلة مؤسسية، هذا الوضع، الذي رافقته دعاوى قضائية وخسائر مالية في قضايا تشهير، يجعل الانتقال إلى إطار حزبي رسمي خطوة مفهومة في منطق العائلة السياسية، لا بوصفها طموحًا تمثيليًا، بل تموضعًا وقائيًا يفتح الطريق مستقبلًا نحو الشرعية وربما الحصانة.
يرى محللون سياسيون في إسرائيل أن تعيين ابن نتنياهو بحزب السلطة هو أكبر من إجراء حزبي، حيث يتحول الأمر إلى إهانة سياسية، فهو لا يعكس تمثيلًا، بل إسقاطًا فوقيًا للسلطة، ويجسّد الفجوة العميقة بين مركز الحكم والأطراف التي طالما شكّلت الخزان الانتخابي لحزب هليكود، التحقيق الصحفي الذي وثّق الغضب في الجليل- حيث عُيِن يائير ممثلًا عن مجلس مَعْلِه يوسف الإقليمي في الجليل الغربي، كشف آلية التعيين العارية، مقاعد شاغرة، وساطة نائب كنيست محلي، ولا أي صلة مكانية أو سياسية حقيقية بين المعيَّن يائير والمنطقة، هكذا، يتعرّى هليكود – الحزب اليميني الأكبر في إسرائيل- بوصفه حزبًا لا يُدار بمنطق القواعد، بل بمنطق المحسوبية، حيث تتحول مؤسساته إلى أدوات بيد العائلة الحاكمة وشبكات النفوذ.
عضوية مركز الليكود ليست رمزية، هذا المركز هو القلب الصلب للسلطة الحزبية، حيث تُصاغ القوائم، وتُعقد الصفقات، وتُحدَّد موازين القوة الداخلية، ويُمنح رئيس الحزب صلاحيات استثنائية، وحين يكون رئيس الحزب هو والد العضو الجديد، فإن تضارب المصالح لا يحتاج إلى إثبات، في هذا المستوى، يصبح الحديث عن التوريث السياسي مشروعًا، لا بوصفه سيناريو مستقبليًا فقط، بل مسارًا بدأ فعليًا.
بنى نتنياهو الأب مشروعه على الاستقطاب، والخوف، وإضعاف الخصوم، وتحويل الحزب إلى أداة شخصية، ونجح في خلق قاعدة جماهيرية مستعدة للدفاع عنه حتى في ذروة فضائح الفساد، في هذا الإطار، لا يبدو إدخال الابن إلى مركز الحزب انحرافًا، بل تطورًا منطقيًا لمنظومة ترى في الزعامة إرثًا قابلًا للنقل.
يستيقظ سكان الجليل لرعاية الماشية والحقول، محاصرين بالقذائف والديون، بينما يظهر يائير نتنياهو في صور حياة مترفة في ميامي، محاطًا بحراسة الشاباك، بلا عمل واضح، وبخطاب تحريضي لا يعرف تعقيدات المكان الذي "يمثّله".
لم يأت الغضب من خصوم هليكود، بل من قاعدته، المستوطنات التي منحت الحزب نسبًا انتخابية ساحقة، لكنها عوقبت بالإهمال، وحُرمت من خطط إعادة الإعمار، وأُدير ظهر دولة نتنياهو لها، أحيانًا بدوافع سياسية، ومن ثم؛ ليست قصة تعيين يائير نتنياهو شخصية عابرة، بل مرآة لنظام إسرائيلي قائم على حكم بيبي وعائلته، تكشف كيف تتحول الديمقراطية الإسرائيلية المزعومة إلى قشرة، والحزب إلى عائلة، والسلطة إلى ملاذ من المحاسبة.
، كاتب وشاعر، صحفي حر، أكاديمي، مُحاضر الأدب العبري الحديث والدراسات الإسرائيلية، كلية الآداب، جامعة المنصورة، مصر
https://www.facebook.com/MoHendam
https://x.com/MoHendam
[email protected]