احتيال باسم الدولة يضرب هواتف المصريين
غرامة مزيفة تفتح باب الاحتيال الإلكترونى
تنظيم الاتصالات: رسائل المخالفات المزيفة تستهدف سرقة البيانات
البريد يؤكد: لا نطلب بيانات بنكية عبر رسائل SMS
لم تعد الجرائم الإلكترونية تطرق أبواب الشركات والمؤسسات فقط، بل باتت تتسلل بهدوء إلى هواتف المواطنين، مستغلة الثقة فى الرسائل الرسمية وسرعة التفاعل مع الهاتف المحمول، خلال الأيام الماضية، وجد آلاف المواطنين أنفسهم أمام رسالة نصية قصيرة تحمل لهجة رسمية وتوقيعاً منسوباً إلى جهات سيادية، تُبلغهم بتسجيل مخالفة مرورية جسيمة وتطالبهم بالسداد الفورى، فى مشهد يعكس تطوراً خطيراً فى أساليب الاحتيال الرقمى داخل المجتمع.
الرسالة التى بدت فى ظاهرها روتينية، كانت كفيلة بإثارة القلق لدى متلقيها، خصوصاً مع ذكر قيمة مالية مرتفعة وتاريخ حديث للمخالفة، ما يدفع المواطن إلى التفاعل السريع دون التحقق، ومع تصاعد تداول صور هذه الرسائل على مواقع التواصل الاجتماعى، بدأت تتكشف حقيقة أنها ليست سوى محاولة تصيد إلكترونى محكمة تستهدف سرقة البيانات الشخصية والمصرفية.
تصل الرسالة غالباً باسم مرسل يوحى بالثقة، مثل «EGYPT.POST»، بينما يتحدث نصها بلسان «النيابة العامة – نظم المعلومات والتحول الرقمى»، وتدعى تسجيل مخالفة سير عكس الاتجاه فى منطقة عامة مثل مدينة نصر، مع مطالبة المتلقى بسداد غرامة تصل إلى ثلاثة آلاف جنيه أو الضغط على رابط للتظلم والدفع الإلكترونى، هذا التناقض بين اسم الجهة المرسلة ومحتوى الرسالة يُعد أول مؤشر على زيفها، لكنه يمر أحياناً دون ملاحظة فى ظل حالة القلق التى تصنعها صياغة الرسالة.
خبراء أمن المعلومات أكدوا أن ما يحدث هو نموذج واضح لهجمات التصيد الاحتيالى، وهى من أخطر صور الجرائم الإلكترونية نظراً لاعتمادها على العامل النفسى قبل أى ثغرة تقنية؛ فالمحتال لا يخترق الأنظمة، بل يخترق ثقة المستخدم، ويدفعه طوعاً إلى إدخال بياناته البنكية داخل مواقع مزيفة صممت لتبدو مطابقة للمواقع الرسمية.
وعند التدقيق فى مضمون هذه الرسائل، تتضح ثغرات فادحة لا يمكن أن تمر فى أى مراسلة حكومية حقيقية، فالرسائل الرسمية الخاصة بالمخالفات المرورية تتضمن دائماً بيانات دقيقة عن المركبة، مثل رقم اللوحة المعدنية ونوع السيارة، بينما تخلو الرسائل المزيفة تماماً من هذه التفاصيل، وتكتفى بصيغة عامة توحى بأنها أُرسلت عشوائياً لعدد كبير من المواطنين دون تمييز.
أما العنصر الأخطر فى الخدعة فيتمثل فى الرابط الإلكترونى المرفق بالرسالة، والذى لا ينتمى لأى نطاق حكومى رسمى منتهى بـ «gov.eg»، بل يقود إلى مواقع مجهولة أو مزورة صممت خصيصاً لجمع بيانات الدفع، وبمجرد إدخال بيانات البطاقة البنكية، يتمكن المحتالون من الاستيلاء على الأموال أو استخدام البيانات فى عمليات احتيال لاحقة.
وفى ظل تصاعد البلاغات، تحركت الجهات الرسمية سريعاً لاحتواء الموقف، فقد أصدر المركز الوطنى للاستعداد لطوارئ الحاسبات والشبكات «EG-CERT»، التابع للجهاز القومى لتنظيم الاتصالات، تحذيراً عاجلاً للمواطنين، أكد فيه رصد حملات نصب إلكترونية منظمة تعتمد على إرسال رسائل نصية قصيرة مقلدة تنتحل صفة البريد المصرى، وتهدف إلى الإيقاع بالمواطنين وسرقة بياناتهم المالية والشخصية.
وأوضح المركز أن الرسائل الحقيقية الخاصة بالمخالفات المرورية لا تُرسل إلا عبر قنوات رسمية محددة، وتحيل المستخدم مباشرة إلى الموقع الرسمى للنيابة العامة، محذراً من أى روابط أخرى مهما بدت قريبة فى شكلها أو اسمها من الجهات الحكومية، ويأتى هذا التحذير ضمن الدور التوعوى الذى يقوم به المركز لحماية الأمن السيبرانى للمواطنين فى مواجهة الهجمات الرقمية المتجددة.
من جانبه، سارع البريد المصرى إلى نفى علاقته بهذه الرسائل، مؤكداً فى بيان رسمى أن جميع الرسائل المتداولة التى تطلب سداد مخالفات مرورية عبر روابط غير معتمدة هى رسائل احتيالية بالكامل ولا تصدر عنه بأى شكل، ودعا البريد المواطنين إلى عدم التفاعل مع هذه الرسائل أو إدخال أى بيانات شخصية أو مصرفية، مشدداً على أن الرابط الوحيد المعتمد للاستعلام عن المخالفات المرورية هو موقع النيابة العامة الرسمى.
وأشار البريد المصرى إلى أن هذه ليست المرة الأولى التى يتم فيها استغلال اسمه فى حملات تصيد إلكترونى، لافتاً إلى تطور أساليب المحتالين الذين أصبحوا يستخدمون شعارات وأسماء رسمية ولغة دقيقة لمحاكاة الرسائل الحكومية، فى محاولة لخداع أكبر عدد ممكن من الضحايا، وأكد استمرار الهيئة فى تطوير أنظمتها الأمنية، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة ضد القائمين على هذه الجرائم، لما تمثله من اعتداء صريح على أموال المواطنين وانتحال لصفة مؤسسات الدولة.
تكشف هذه الواقعة عن تحدٍ متزايد يفرضه التحول الرقمى، حيث تتسع دائرة الخدمات الإلكترونية، ويتسع معها مجال الاستغلال الإجرامى، وبينما تبذل الجهات الرسمية جهوداً كبيرة لتعزيز الأمن السيبرانى، تبقى مسئولية الوعى الفردى عنصراً حاسماً فى كسر سلسلة الاحتيال، إذ إن رسالة واحدة غير متحقق منها قد تكون كفيلة بإفراغ حساب بنكى أو سرقة هوية رقمية كاملة.
وفى ظل هذا المشهد، يتأكد أن المعركة ضد الجرائم الإلكترونية لم تعد تقنية فقط، بل أصبحت معركة وعى بالدرجة الأولى، تتطلب يقظة دائمة من المستخدم، وتفاعلاً واعياً مع أى رسالة أو رابط، مهما بدا رسمياً أو مألوفاً.

