لماذا تراجع ترامب عن ضرب إيران؟
خلال الأيام الماضية كانت كل المؤشرات في الظاهر تشير إلى حدوث ضربة على النظام الإيراني، ورغم وجود مؤشرات أخرى كانت تدحض فكرة توجيه ضربة عسكرية لإيران، لكن الخيار العسكري كان مطروحاً بقوة، وهو ما ظهر بداية في إغلاق المجال الجوي الإيراني وطلب الدول الأوروبية مغادرة رعايا لإيران، مروراً بالتحركات العسكرية الكبيرة في الشرق الأوسط، بدءًا من تحرك الطائرات والقاذفات حاملات الطائرات وطائرات التحرك بالوقود إلى منطقة الشرق الأوسط، لكن بالرغم من ذلك كله، كان البعض يراه نوعاً من ممارسة الضغط الأقصى على النظام الإيراني، دون توجيه ضربة عسكرية، وهو ما حدث.
في البداية يجب العلم أن القضاء على النظام الإيراني هو أولوية قصوى للنظام الصهيوني على وجه الخصوص لاصطدام النظام الإيراني بمصالحها الاستراتيجية وحلم إسرائيل الكبرى في منطقة الشرق الأوسط، وكذلك ترامب، الذي يرى في النظام الإيراني خصما عنيدا، يهدد مصالحه بقوة، ويزعزع استقراره في المنطقة، وأن قرار عدم استخدام الخيار العسكري، هو قرار مؤقت حتّمته طبيعة الظروف في هذه الأثناء، ودفعت ترامب إلى التراجع عنه، نراه لعدة أسباب، من أهمها:
أولاً: الوضع في إيران، ليس كما حدث في فنزويلا، فرغم أن خامنئي يقبع على رأس قمة النظام الإيراني، لكنه لا يحكم بمفرده، ولكن يحكم من خلال رجاله من الحرس الثوري ورجال الحوزة، الذين يسيطرون على مفاصل الدولة، والذي يرتبط وجودهم ومصالحهم بوجود نظام الملالي، ولهذا فلن ينتهي الأمر بمحاولة القضاء على خامنئي، ولكن سيظل رجال نظامه من ورائه شوكة في حلق المصالح الأمريكية.
ثانياً: لدى النظام الإيراني خبرة كبيرة في مواجهة الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية، إلى جانب منظومتها الصاروخية، التي لن تحسم الحرب لصالح أمريكا من خلال ضربة مؤثرة، تزلزل النظام، ولكن الحرب ستطول بينهم، وتشارك فيها أذرع إيران في المنطقة، وعلى رأسهم الحوثيين، وبالتالي تعطل الملاحة في الخليج العربي ومضيق باب المندب، وآثاره على أسعار الطاقة والاقتصاد العالمي.
ثالثاً: كان إشعال الاحتجاجات الإيرانية في الداخل عن طريق تأجيج المظاهرات الإيرانية وعملاء الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية من بين مخططات النظام، ولكن ساعد على إفشال ذلك ظهور الأمير رضا بهلوي المدعوم أمريكيا كبديل للنظام الحالي، وإبداء استعداده لتفكيك البرنامج الإيراني والاعتراف بإسرائيل، وهو ما دفع عديد من المحتجين للتوقف عن المشاركة في الاحتجاجات، خشية استخدامها لتنفيذ الخطط الصهيونية والأمريكية وإعادة إيران إلى دائرة التبعية الأمريكية.
رابعاً: ظن ترامب أن اشتعال الاحتجاجات في الداخل الإيراني يمكن أن تشغل النظام عن الجاهزية العسكرية للهجوم المحتمل، ومن ثم يمكن محاصرة النظام من الداخل لإسقاطه، أو على الأقل لتجهيزه لضربة عسكرية، وهو ما نجح النظام الإيراني في إفشاله، ولم يشتته اشتعال الداخل عن التجهز للخارج.
خامساً: أسهم الدعم الروسي الصيني لإيراني في رفع جاهزية إيران للخيار العسكري، حيث ساهمت التكنولوجيا الصينية في تعطيل خدمة ستارلينك التي فتحها إيلون ماسك للإيرانيين، والتي كان يستخدمها العملاء في الداخل للتواصل لتنفيذ خططهم، وهو ما مكّن النظام من اعتقال العديد منهم، إلى جانب نقل تقنيات عسكرية روسية وصينية إلى إيران.
كل الأسباب السابقة أسهمت في تغيير موقف الحرب المحتملة، ودفعتها إلى مصاف الحرب طويلة المدى، على عكس ما كان يعتقد ترامب من إمكانية حسمها من جولة واحدة، ودفعه ذلك إلى إلغاء الخيار العسكري والانتظار إلى جولة أخرى تكون أكثر حسماً لصالحه.
أستاذ دراسات إيران وآسيا الوسطى