تاج "الأفندية": سيرة الوافد الأحمر من الفرمان إلى النسيان
لم تكن حكاية "الطربوش" في محافظة المنيا وبأرض المحروسة مجرد قصة غطاءٍ للرأس، بل كانت سيرة "وافدٍ أحمر" عبر البحار حاملاً معه رياح التغيير، ضربت جذوره في أصقاع اليونان، وبلاد المغرب العربي، لكنه لم يجد مستقره الأخير ومجده الأثيل إلا في كنف الوادي .
دخل مصر لا بوصفه زينةً مستحدثة، بل كأداةٍ سياسية ماضية، صاغها السلطان العثماني محمود الثاني بفرمانٍ سلطاني، أراد به أن يمحو فوارق العمائم ويصهر رعايا الدولة في قالبٍ واحد، فكان الطربوش هو "البديل العصري" الذي أعلن أفول زمن وبزوغ آخر.
عصر التمكين: حين نطق القماش بلسان الدولة
ومع بزوغ فجر الدولة العلوية، اتخذ "محمد علي باشا" من الطربوش رايةً لنهضته الحديثة؛ فأصبح ركناً ركيناً في هندام الجندي، ووقار الموظف، وطموح التلميذ، ولم يرتضِ "عزيز مصر" أن يظل رأس المصريين رهناً لمصانع النمسا وفرنسا، فأمر بتوطين هذه الصنعة في مدينة "فوه"، لتتحول خيوط الجوخ هناك إلى تيجانٍ "صُنعت في مصر"، تُعلن عن استقلال الهوية وميلاد السيادة من تحت قوالب النحاس الساخنة.
فلسفة الوقار: هندسة "الزر" وزاوية "الميل"
تحول الطربوش بمرور الزمن من "زيٍّ رسمي" إلى "بطاقة هوية" ناطقة؛ فكان هو الفاصل الحدودي بين طبقة "الأفندية" المستنيرين، وبين العمامة التي تكلل رؤوس رجال الدين، والقبعة الغربية (البرنيطة) التي كان يعتمرها الأجانب، لم يكن لبس الطربوش مجرد عادة، بل كان "بروتوكولاً" صارماً لا يستقيم بدونه وقار المجلس ولا أدب اللقاء، وكان لـ "ميل" الطربوش لغة، وللون "زره" الحريري المنسدل حكايات، تعكس في طياتها ملامح الشخصية ومكانة صاحبها في سلم الوجاهة الإجتماعية.
المواجهة الكبرى: خندق المقاومة تحت نسيج الجوخ
في غمرة ثورة 1919، خلع الطربوش ثوب الوقار الإجتماعي ليرتدي لامة الحرب الرمزية؛ فأصبح في عيون الثوار معقلاً للهوية الوطنية في وجه "البرنيطة" الإنجليزية التي كانت ترمز للاحتلال. صار التمسك بهذا الوافد الأحمر نوعاً من "الجهاد الرمزي"، وإعلاناً صريحاً عن الانتماء لتراب هذا الوطن، فكانت الرؤوس المرفوعة بالطريوش تعلن في الشوارع أن الهوية المصرية عصية على الانكسار أو الذوبان.
مراسم الوداع: حين ترجل التاج عن عرشه
وكما تدور الدوائر، جاءت رياح يوليو 1952 لتعصف بعرش الطربوش؛ حيث رأى فيه قادة الثورة إرثاً طبقياً ورمزاً لعهدٍ ملكي بائد أرادوا الانعتاق منه، فُرضت "الكاسكيت" العسكرية أو الرأس الحاسي (العاري) كعنوانٍ للعهد الجديد الأكثر عملية وتحرراً، ومع تسارع إيقاع الحياة واكتساح الحداثة الغربية، انزوى الطربوش خجلاً، وأصبحت قوالبه النحاسية قطعاً من الأنتيك، وهُجر صُناعه إلا في زوايا الغورية العتيقة، حيث لا يزال "الأسطوات" يداعبون الجوخ الأحمر لخدمة تراث الأزهر أو فرق الموسيقى التي تأبى أن تنسى "زمن الشياكة"، واصبح رؤية الطربوش بــ "عروس الصعيد " يقتصر على طلاب المراحل التعليمية الأولى بالمعاهد الأزهرية ، أو كبار الأئمة .
الخاتمة: رحيل الجسد وبقاء الأثر
لقد ترجل الطربوش عن الرؤوس، لكنه استوى على عرش الذاكرة الوطنية؛ فكلما لاحت صورة لـ "باشا" في فيلم قديم، أو لاح خيال "أفندي" في روايات العمالقة، هبّت نسمات ذلك الزمن الذي كانت فيه الرجولة تُقاس بـ "الهيبة"، والشياكة تبدأ من "الرأس".