"مواهب ذوو همم" تكتبه نهلة النمر
من وجع التجربة يولد النص.. دعاء حجازي تكتب الإنسان كما هو
فى باب "مواهب ذوو همم"، الذى ما زالت تتبناه جريدة الوفد دعمًا لمبادرة "قلمى"، التى أطلقتها صفحة جريدة أنا معاق، نفتح المساحة لتجربة إبداعية مختلفة، تنطلق من عمق المعاناة الإنسانية لتصل إلى أفق الأدب الحقيقى.
الكاتبة دعاء حجازى واحدة من الأصوات التى لم تكتب عن الألم بوصفه حالة عابرة، بل جعلت منه طاقة خلاقة، أعادت عبرها صياغة الواقع، ولامست وجدان القارئ بصدق وجرأة ووعى إنسانى. فى هذا الحوار، تكشف دعاء عن علاقتها بالكتابة، وعن كيف تحولت التجربة الشخصية إلى نص قادر على تجاوز التصنيفات، والانتصار للإنسان أولًا وأخيرًا.
ترى دعاء حجازى أن ما مرّت به من صعوبات وانكسارات وانتصارات فى حياتها الشخصية كان له الأثر الأكبر فى تشكيل عالمها الإبداعى. تلك التجارب، بما حملته من وجع وأمل، انعكست بوضوح على أفكارها وكتاباتها، فأسهمت فى صقل موهبتها ومنحت نصوصها قوة خاصة ولمسة صادقة جعلتها أقرب إلى الواقع وأكثر تأثيرًا فى القارئ. وتؤكد أن المعاناة لم تكن عبئًا على إبداعها، بل كانت وقودًا حقيقيًا للخيال واللغة.
وحول النظرة التى تحيط أحيانًا بالكاتب من ذوى الهمم، حيث تُقدَّم التجربة على النص، توضّح دعاء أن الإبداع لا يشترط أن يكون الكاتب قد عاش كل شعور يعبّر عنه، فالأدب فى جوهره قدرة على التخيّل والتقمّص. لكنها تعترف بأن توحد الكاتب مع تجربته الشخصية قد يمنح العمل صدقًا استثنائيًا، وهو ما حدث معها فى أولى رواياتها، إذ إن ما يقرب من ثمانين فى المئة من أحداثها مستمد من طفولتها. هذه المعايشة، من وجهة نظرها، لا تقيّد حرية الكاتب، بل توسّع أفق الخيال وتمنحه خصوبة أكبر، وتخلق متعة خاصة أثناء الكتابة، حيث يذوب الكاتب في النص ويستخرج كل طاقاته ليخرج العمل في أكمل صورة.
وتؤكد دعاء أن حضور الذات الإنسانية فى أعمالها لا ينطلق من بحث عن خلاص شخصى بقدر ما هو انحياز لمعاناة الإنسان عمومًا. فهى تكتب لتطرح أسئلة تدور فى أذهان الكثيرين حول قضايا ومشكلات مختلفة، وتحاول تقديم حلول أو فتح نوافذ أمل، وأحيانًا تجسيد أحلام تتمنى تحققها على أرض الواقع. هذا ما يجعل القارئ يشعر بالطمأنينة والقدرة على التماهى مع النص، وتصف سعادتها الحقيقية حين يخبرها أحد القراء بأن ما كتبته عبّر عن معاناته الشخصية، أو لامس تجربة عاشها بالفعل.
أما عن اللحظة التى أدركت فيها أن الكتابة لم تعد مجرد تعبير عابر، بل ضرورة وجودية لا يمكن الاستغناء عنها، فتشير إلى تلك اللحظة التي طالبها فيها الآخرون بالحضور الفعلى على أرض الواقع، والمشاركة فى محافل أدبية كبرى، وعلى رأسها معرض الكتاب. حينها شعرت أن ما تكتبه يستحق أن يرى النور وأن يُسلَّط عليه الضوء. ورغم خوفها في البداية من خوض التجربة، إلا أن إيمانها بأن الكتابة تسرى فى دمها منذ نعومة أظفارها، وأن لكل شىء توقيته وقدره، منحها الشجاعة لتقديم أعمالها بثقة.
وفى رؤيتها لدور الأدب اليوم داخل المشهد الثقافى العربى، تشدد دعاء حجازى على أن الأدب الحقيقى لا ينبغى أن يصنّف البشر على أساس الدين أو العرق أو الحالة الاجتماعية. فالكاتب لا يكتب لفئة دون أخرى، بل يكتب للإنسان فى جوهره. وترى أن مهمة الأدب هى ملامسة كل الطوائف والتعبير عن الصراعات والمشاكل وضغوط الحياة التى يعانيها الجميع دون استثناء، غنيًا كان أم فقيرًا. فالكتابة، فى النهاية، فن ورسالة خُلقت من أجل الإنسانية، لا من أجل مجد شخصى أو تصنيف ضيق.