بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أدب الحوار في الإسلام.. منهج حضاري لبناء الإنسان والمجتمع

أدب الحوار
أدب الحوار

في زمن تتسارع فيه وتيرة الخلافات وتتباين فيه الآراء، يبرز أدب الحوار كقيمة إنسانية سامية دعا إليها الإسلام منذ فجر الرسالة، فجعل منه منهجًا حضاريًا قائمًا على العقل والحكمة والكلمة الطيبة، ومخاطبة الناس على قدر عقولهم، بما يحقق التفاهم والتقارب ويجنب المجتمعات الوقوع في دوائر الصراع والجدال العقيم.

لقد ارتقى الإسلام بالإنسان إلى أعلى مراتب التكريم، فخاطبه بالعقل والحوار، وجعل هذا الأسلوب شاملًا للصغير والكبير، والذكر والأنثى، والعالم والجاهل، والمؤمن والكافر، في تأكيد واضح على أن الحوار قيمة مشتركة لا يختص بها فئة دون أخرى. ومن هنا جاءت القاعدة الذهبية التي تؤكد أن فتح باب الحوار ساعة خير من الجدال ألف ساعة، لما يحمله الحوار الهادئ من قدرة على كشف الحقائق وإزالة الغموض ورد الحقوق إلى أصحابها بالرضا والقناعة.

الحوار في القرآن الكريم

جاء القرآن الكريم ليضع الأسس الراسخة للحوار البناء، حيث قال الله تعالى:
"ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"،
في توجيه واضح إلى اعتماد الحكمة واللين والاحترام في الخطاب مع الآخرين، بعيدًا عن الاستفزاز والسخرية والتعصب.

كما عرض القرآن نماذج راقية للحوار، منها حوار المرأة التي جادلت النبي صلى الله عليه وسلم في شأن زوجها، حيث قال تعالى:
"قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا"،
إضافة إلى حوار نبي الله إبراهيم عليه السلام مع أبيه في أسلوب مفعم باللين والاحترام، وحوار نبي الله نوح مع ابنه قبل الغرق، وهي مواقف تجسد قمة الرقي في التخاطب الإنساني.

الحوار في السنة النبوية

وتزخر السنة النبوية الشريفة بأروع نماذج الحوار الهادئ، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم مثالًا للحلم وسعة الصدر والرفق بأمته، يستمع قبل أن يتكلم، ويقنع قبل أن يأمر، ويحتوي قبل أن يعاتب. فقد قال عليه الصلاة والسلام:
"لا تغضب"،
وقال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"،
وقال: "ليس المؤمن باللعان ولا الطعان ولا الفاحش ولا البذي".

ومن أروع مواقف الحوار النبوي قصة الشاب الذي استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الزنا، فلم يوبخه أو يزجره، بل حاوره بمنطق العقل والرحمة، وسأله: أتحبه لأمك؟ أتحبه لأختك؟ حتى أقنعه بالحكمة، ثم دعا له بالمغفرة والطهارة، فكان لهذا الأسلوب الأثر البالغ في تغيير قلب الشاب وسلوكه.

آداب الحوار في الإسلام

وحدد الإسلام مجموعة من الآداب التي يجب أن يتحلى بها المتحاورون، حتى يكون الحوار مثمرًا، ومنها:
اللباقة، وحسن الخلق، والصدق، والأمانة، والرفق، والتواضع، وضبط النفس، والعدل، وحسن الإنصات للطرف الآخر، وعدم المقاطعة، وقوة التعبير، وحسن البيان، وضرب الأمثال لتقريب المعنى.

كما دعا الإسلام إلى تعلم حسن الاستماع كما نتعلم حسن الكلام، فالمحاور الناجح هو من ينصت جيدًا قبل أن يرد، ويمنح الطرف الآخر حقه الكامل في التعبير، بعيدًا عن التسرع أو التشنج.

الحكم لا تُقاس بالعمر

وضرب التاريخ الإسلامي أمثلة رائعة تؤكد أن الحكمة لا ترتبط بالعمر، كما في موقف الغلام الصغير الذي خاطب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله:
"المرء بأصغريه قلبه ولسانه"،
مبينًا أن القيمة الحقيقية في العقل والقول لا في السن والمكانة.

وكذلك قصة الطفل الذكي الذي سُئل: من الذي قبل الله؟ فأجاب بسؤال عميق، ثم قال: الله الأول ليس قبله شيء، في دلالة واضحة على الفهم العميق والحكمة المبكرة.

الرجوع إلى الحق فضيلة

ويختتم الإسلام منهجه في الحوار بالتأكيد على أن الرجوع إلى الحق فضيلة، وأن الاعتراف بالخطأ خير من التمادي في الباطل، قال تعالى:
"وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ".