خارج السطر
«تُنسى كأنك لم تكن»
تتحقق أحلام الإنسان فيزهو، تعلو هامته، فيدوس على الأرض بخيلاء، ينتفخ، وينظر للناس من علٍ. يرجع نجاحه لكده، فطنته، جهده، وينسى فضل الله، وينكر أفضال من علموه وساندوه، يتيه فخراً بذاته، فلا يحتمل لوم لائم ولا يتقبل نقد ناقد. ومن هنا تبدأ رحلة التهاوى، لتتكسر النجاحات تلو النجاحات على صخرة النرجسية.
رأينا ذلك كثيراً فى قادة وساسة ومفكرين ومبدعين ونماذج ناجحة، ملأوا الدنيا، وعاشوا نجوماً، ثم انتفخوا غروراً حتى الانفجار، والتردى.
وقليلون من البشر نجوا بوعيهم وتمكنوا من كبح جماح نفوسهم، ومقاومة داء الغرور داخلهم بكل وسيلة.
يكتب لنا الشاعر إيليا أبوماضى مندهشاً من غرور البشر: «نسى الطين أنه طين حقير فصال تيهاً وعربد/ وكسى الخز جسمه فتباهى/ وحوى المال كيسه فتمرد/ يا أخى لا تمل بوجهك عنى/ ما أنا فحمة ولا أنت فرقد/ أنت مثلى من الثرى وإليه/ فلماذا يا صاحبى التيه والصد».
ويقول أستاذ البلاغة السياسية مكرم عبيد، وقد رأى ما رأينا «إن الرجل الحق هو الذى يكبر ولا يتكبر، ويتطور ولا يتغير، ويحتفظ بثباته خلال وثباته».
لكن كيف ينجو المرء من الثقة المفرطة، والانتشاء بمديح الناس وإشاداتهم؟ كيف يكبح جماح ذاته؟ كيف يقيد سروره بالنجاح والتحقق فلا يغتر ولا يتكبر؟
يحكى نجل الشيخ متولى الشعراوى عن والده، أنه ذهب يوماً إلى ندوة بجامعة القاهرة فى ثمانينات القرن العشرين، وتحدث فأبهر الناس كعادته، وعندما خرج ليركب سيارته، فوجئ بالحشود حولها تصر على حمل السيارة به حتى باب الجامعة تكريماً له، فى مشهد عفوى ونادر. شعر الرجل بالسرور، لكن وجهه انقبض بعدها متفكراً فيما جرى، وعند صلاة الفجر غادر مبكراً، فلفت ذلك نظر نجله، وذهب يبحث عنه، فوجده يمسح حمامات المسجد بنفسه، فسأله غاضباً عما دفعه لذلك، فأجاب بأنه شعر بالزهو من قيام الناس بحمل سيارته، فأراد أن يؤدب نفسه ويهذبها.
يبدو الفعل حكيماً ونابعاً من نفس لوامة تراجع كل شىء. ولاشك أن الإنسان يحتاج دوماً لوقفات حاسمة، يراجع فيها ذاته، يتدبر ويتفكر، ويجرب ألف حيلة وحيلة لاغتيال الطاووس داخله. فالنابهون هم من يتنبهون مبكراً لمرض تضخم الذات، فيعالجونها سريعاً.
فى بلاط الحكام يبدو الأمر شديد الصعوبة، يتجاوز التملق كل حد، وتنحنى الهامات، تطأطأ الجباه، ويغلب التصفيق. تلتمع عدسات التصوير، ويسمع فى الفضاء مديح قبيح يتفنن صانعوه فى إبهار المستمع بصنوف الإشادات، فينتفخ ليشعر فى داخله أنه الأفضل والأعظم والأحكم. حكى لى أحد العاملين بمعية الرئيس مبارك أنه زار فى 2006 أو 2007 أحد الصروح الصناعية العامة، وأن أحد المديرين بادر إلى الكلام خارج سياق البروتوكول، فأطنب فى مديح مبارك لدرجة أنه قال له «أنت لا يجب أن تكون رئيساً لمصر، بل رئيساً للعالم كله. يجب على الرئيس بوش (رئيس أمريكا وقتها) أن يتعلم منكم»، ثم طلب هذا المداح صورتين للرئيس، الذى استفسر منه «لماذا صورتان؟» فقال الرجل «واحدة أعلقها فى بهو منزلى تشرفاً وتبركاً، والثانية تدفن معى عندما أموت».
ومثل هذا جرى مع كثيرين فى كل مكان، فتبدلوا وتغيروا رغم نواياهم الحسنة، ومعادنهم الطيبة.
أعاتب ذاتى، وأدربها على قهر الزهو. أتذكر نجوماً رحلت، وعباقرة غابوا، وعظماء اختطفهم الموت، فأرجو عفو من لا يموت ورحمته. وأحتفظ فوق مكتبتى بورقة صغيرة دونت عليها قول محمود درويش الجميل «تنسى كأنك لم تكن/ تنسى كمصرع طائر/ ككنيسة مهجورة تنسى/ كحب عابر وكوردة فى الليل تنسى».
والله أعلم.