كندا تخفض الرسوم على السيارات الكهربائية الصينية وتفتح مسارًا تجاريًا جديدًا
في خطوة لافتة تعكس تغيرًا في توجهات السياسة التجارية، أعلنت كندا عن خفض كبير في الرسوم الجمركية المفروضة على السيارات الكهربائية المستوردة من الصين، لتنتقل من 100% إلى 6.1% فقط، ضمن اتفاق تجاري جديد بين البلدين. القرار يمثل خروجًا واضحًا عن النهج الذي تتبعه الولايات المتحدة، ويعيد رسم ملامح العلاقة بين أوتاوا وبكين في قطاع يشهد تنافسًا عالميًا محتدمًا.
الاتفاق، الذي وصفه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بأنه “تمهيدي”، لا يقتصر على السيارات الكهربائية فقط، بل يتضمن حزمة أوسع من التفاهمات التجارية المتبادلة. فمقابل تخفيف القيود على السيارات الصينية، ستقوم الصين بخفض الرسوم المفروضة على بذور الكانولا الكندية من 84% إلى نحو 15%، وهو ما ينعكس مباشرة على أحد أهم القطاعات الزراعية في كندا.
وبموجب التفاهم الجديد، ستسمح كندا بدخول ما يصل إلى 49 ألف سيارة كهربائية صينية إلى أسواقها في المرحلة الأولى، على أن يرتفع هذا الرقم إلى نحو 70 ألف سيارة خلال خمس سنوات. ويأتي ذلك بعد فترة طويلة من التنسيق بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك لحماية الصناعات المحلية للسيارات الكهربائية في أمريكا الشمالية، خاصة في ظل الدعم الحكومي الواسع الذي تحظى به الشركات الصينية، ما يمنحها قدرة تنافسية عالية من حيث الأسعار.
التحرك الكندي يبرز بوضوح الفجوة المتزايدة مع الموقف الأمريكي، حيث لا تزال واشنطن تفرض رسومًا جمركية بنسبة 100% على السيارات الكهربائية الصينية، وهو ما يعادل حظرًا فعليًا لدخولها السوق الأمريكية. في المقابل، تتبع المكسيك نهجًا أقل تشددًا، إذ تفرض رسومًا تبلغ 50%، بعد تعديلات أقرتها العام الماضي. هذا التباين يعكس اختلاف الأولويات الاقتصادية والسياسية بين دول أمريكا الشمالية، رغم اتفاقها الظاهري على دعم الصناعة المحلية.
رئيس الوزراء الكندي أشار إلى أن العلاقات مع الصين شهدت تطورًا ملحوظًا خلال الأشهر الأخيرة، واصفًا إياها بأنها أصبحت “أكثر قابلية للتنبؤ”، مع ظهور نتائج ملموسة على أرض الواقع. هذا التقارب النسبي يأتي في سياق دولي متوتر، حيث تسعى الصين إلى توسيع دائرة شركائها التجاريين، خاصة في ظل سياسات أمريكية أكثر تشددًا خلال السنوات الأخيرة، دفعت بعض الدول إلى إعادة النظر في تحالفاتها الاقتصادية.
ورغم المخاوف التي أثيرت بشأن تأثير السيارات الكهربائية الصينية منخفضة التكلفة على سوق السيارات الكندية، قلل كارني من حجم هذه التحديات. وأوضح أن الواردات الصينية ستظل تمثل نسبة محدودة من إجمالي السوق، مشيرًا إلى أن الكنديين يشترون سنويًا نحو 1.8 مليون سيارة، بينما ستبقى السيارات الكهربائية الصينية ضمن “نسبة أحادية منخفضة” من حجم القطاع ككل.
اقتصاديًا، قد يمنح القرار المستهلك الكندي خيارات أوسع في سوق السيارات الكهربائية، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار وتباطؤ انتشار هذا النوع من المركبات مقارنة بالطموحات الحكومية. السيارات الصينية، التي غالبًا ما تجمع بين السعر المنخفض والتكنولوجيا المتقدمة، قد تسهم في تسريع التحول نحو النقل الكهربائي، وهو هدف تسعى إليه كندا ضمن التزاماتها البيئية وخطط خفض الانبعاثات.
في المقابل، يضع القرار صناع السيارات المحليين أمام تحدٍ إضافي، يتمثل في ضرورة تعزيز القدرة التنافسية، سواء من حيث خفض التكاليف أو تسريع الابتكار. كما يفتح بابًا للنقاش حول مدى فعالية السياسات الحمائية في عالم باتت فيه سلاسل الإمداد مترابطة، والأسواق أكثر انفتاحًا من أي وقت مضى.
على المستوى الجيوسياسي، يعكس الاتفاق محاولة كندية للحفاظ على توازن دقيق بين أكبر شريكين تجاريين لها. فالولايات المتحدة لا تزال الشريك الأول، بينما تحتل الصين المرتبة الثانية، وهو ما يجعل أي تحول في العلاقات مع بكين محل متابعة دقيقة من واشنطن. ومع ذلك، يبدو أن أوتاوا اختارت نهجًا براغماتيًا يركز على المصالح الاقتصادية المباشرة، دون الدخول في مواجهة سياسية مفتوحة.
في المحصلة، لا يمثل خفض الرسوم على السيارات الكهربائية الصينية مجرد تعديل جمركي، بل خطوة تحمل أبعادًا اقتصادية وسياسية أوسع. فهي تشير إلى مرحلة جديدة في العلاقات الكندية الصينية، وتطرح تساؤلات حول مستقبل التنسيق التجاري في أمريكا الشمالية، في وقت يتغير فيه ميزان القوى داخل صناعة السيارات الكهربائية على مستوى العالم.