بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

عِلْمٍ منظم يقوم على التجربة والاستنباط.. أهمية الزراعة في الحضارة الإسلامية

بوابة الوفد الإلكترونية

تحولت الزراعة في الحضارة الإسلامية من مجرد حرفة لكسب العيش فحسب، إلى عِلْمٍ منظم يقوم على التجربة والاستنباط، بفضل العلماء المسلمين، فبرعوا في هندسة الري شَقًّا للقنوات وتخزينًا للمياه تحديًّا للجفاف، وأثروا المكتبة العربية بمصنفات موسوعية -مثل الفلاحة النبطية والأندلسية- جمعت بين خبايا التربة وأسرار النبات، لينتقل هذا التراث بعدها إلى أوروبا حاملًا معه بذرة النهضة الزراعية الحديثة.  

نشأة علم الفلاحة والزراعة

منذ وَصَلَ الإنسانُ إلى حَدِّ المعرفة العقلية ودخل حقبة التاريخ وبدأ يميز بين مناطق الأرض المختلفة، فإنه كان ينتقل من أرضٍ إلى أرضٍ بحثًا عن أنسب الأماكن التي تصلح للزراعة والسكن والإنتاج، وكانت الأنهار والبحار هي التي تثير رغبة الإنسان -دائمًا- وتغريه بالتمركز حولها أو بالقرب منها؛ لِمَا تُدِرُّهُ خصوبةُ التربةِ ووفرةُ المياه من خيرات؛ ولهذا كان الإنسان يهاجر –دائمًا- إلى مناطق الخصوبة والمياه، ويشرع في تطوير أسباب الحياة حوله، مبتدئًا بالزراعة والتجارة لاستيفاء ما ينقصه من وسائل العيش، وتهيئةِ ظروف الأمن والاستقرار، ثم يَتَّجِهُ تفكيرُهُ بعد ذلك إلى تطوير باقي الجوانب الحضارية والارتقاء بها؛ لذلك كان الاهتمام بالزراعة أمرًا طبيعيًّا وحيويًّا في كل الحضارات، واشتهرت بعض الحضارات بزراعات معينة كاشتهار الصينيين بزراعة قصب السكر، واستخراج السكر منه، واشتهار الهنود بزراعة القطن، ولكن فن الزراعة في العصور القديمة لم يخرج عن نطاق التجربة المحلية والخبرة المكتسبة.

وفي عصر النهضة الإسلامية أصبحت الزراعة عِلْمًا له أصولُهُ وقواعدُهُ شأنها في ذلك شأن باقي فروع العلم والمعرفة، واعترفت أوروبا بفضل العرب في نقل كثيرٍ من النباتات الزراعية المفيدة إلى مصر والأندلس وصقلية، فاقتبس الأوروبيون زراعتها منهم، ويدخل بين أسماء هذه النباتات: القطن، وقصب السكر، والليمون الحلو والحامض، والمشمش، والبطيخ، وعددٌ كبيرٌ من العقاقير الطبية.


أسباب تطور الزراعة

ولا شك في أن موارد المياه هي التي كانت تلعب الدور الأساسي في تطور الزراعة وازدهار الصناعات القائمة عليها؛ لهذا اهتم العلماء بدراسة الموارد المائية خاصة في الدول الإسلامية التي تتميز بشدة الجفاف لوقوعها في أقاليم ذات أمطار غير منتظمة وغير كافية.

وانتشر شق القنوات وبناء الخزانات اللازمة للري، حتى إنَّ ابن حوقل ذكر في كتابه (المسالك والممالك) ما رواه بعض المؤلفين من أصحاب الأخبار من أن أنهار البصرة عُدَّت أيام بلال بن أبي بردة فزادت على مائة وعشرين ألف نهر، تجري في أكثرها الزوارق، ويقول ابن حوقل: "وكنت أنكر ما ذكره في هذا العدد في أيام بلال حتى رأيت كثيرًا من تلك البقاع، فربما رأيت في مقدار رمية سهم عددًا من الأنهار صغارًا تجري في جميعها السُّمَيْرِيَّات".

وفي السند وسمرقند وصف ابن حوقل نظام القنوات بقوله: "ثم يتشعب من وادي السند أنهارٌ كثيرةٌ على امتداده، تجاه كل مدينة وبلدة ورستاق نهرٌ، وربما كان للقرية الواحدة منها نهران وثلاثة.. فلو اطَّلَعَ مُطَّلِعٌ على وادي السند من الجبل لرأى خضرة متصلة لا يرى في أضعافها غير قُهُنْدُز (حصن) أبيض أو قصر شَامِخٍ مشيد، فأما فُرجة منقطعة عن الخُضرة أو أرض بائرة أو غامرة فقَلَّما ترى هذه الحال".

وفي شبه الجزيرة العربية ذكر الهمداني في كتابه (صفة جزيرة العرب) أن مياه المطر يتم جمعها في برك صغيرة، وتحدث عن خزان في الصمَّان فقال: "ثم الصمَّان ومياهه، وهي دخولٌ تحت الأرض مخرقة في جلد الأرض، منها ما يكون سبعين نوعًا ومائة تحت الأرض وأقل وأكثر". وكان يوجد في نيسابور قُنًى تجري تحت الأرض، وقد ظهرت بعض هذه المجاري على سطح الأرض قرب الحقول، بينما كان بعضها الآخر يجري داخل المدينة منسابًا خلال القصور.

وكانت هناك في سِجِسْتَان قنوات كثيرة تمد المدينة والحقول بالمياه، وقد أشار المقدسي إلى أحد مشروعات الري في عهد عضد الدولة، حيث تم بناء جدار ضخم على النهر الواقع بين شيراز واصطخر لرفع المياه في خزان يتم منه ري القرى، وكان طبيعيًّا أن تشتهر الأرض الإسلامية بمختلف المحاصيل الزراعية؛ فزُرِع القمح في خوزستان والمغرب وفارس ومصر والشام وشبه الجزيرة العربية، وزُرِع القطن والكتان في مصر والمغرب والديلم، وانتشرت أنواع التمور بين منتجات شبه الجزيرة العربية ومصر والعراق وفارس وكرمان.

ويذكر ابن الفقيه في (مختصر كتاب البلدان) أن العنب أكثر الفواكه المزروعة ويدلل على ذلك بقوله: "لو أن رجلًا خرج من بيته مسافرًا في عنفوانه وحداثة سِنِّهِ واستقرى البلدان صقعًا صقعًا، يتتبع الكروم مِصرًا فمصرًا حتى يهرم، وصغيرًا حتى يَبْدُن، لتعرُّفِ أجناسه وإحاطة العلم بأنواعه -بل إقليمًا واحدًا من الأقاليم وناحية من أقطار الأرض- لأَعْوَزَهُ وغلَبَه وعَزَّه وبَهرَه؛ إذ إنَّ كثرة فنونه واختلاف أنواعه لا يدرك".

وفيما يتعلق بفواكه أخرى مثل التفاح والموز وأبي فروة والرمان واللوز والزبيب والتين، فيقول ابن حوقل: "إنها كانت تُنتَج بكميات وفيرة في ولايات الشام وفارس والجزيرة وولايات أخرى كثيرة، أما الزيتون الجيد فكان يأتي من بلاد الشام"، ويذكر المقدسي أن مركز زراعة قصب السكر كان خوزستان وجُنْدَيْسَابُور، وبالقرب من البصرة التي كانت أكثر المراكز شهرة من حيث إنتاج السكر في العراق.

كذلك ذكر ابن حوقل أن مصر وكرمان وخوزستان كانت من مناطق إنتاج قصب السكر، وتكلم لسان اليمن أبو الحسن الهمداني عن حلويات اليمن كأحسن أصناف الحلويات، وعلى أساس النهضة الزراعية قامت بعض الصناعات الهامة مثل صناعة المنسوجات من القطن والكتان، وكانت مراكزها الرئيسة في البصرة ودمياط والري وخراسان، ومثل صناعة الورق فيما وراء النهر ومصر وفلسطين والشام، ومثل صناعة العطور من الورد والزعفران في فارس والعراق والهند وكذلك صناعة الأدوية والعقاقير.