خارج المقصورة
فك زنقة
تخوض الحكومة رهانًا على خفض الدين العام ليقترب من مستوى 70% من الناتج المحلى الإجمالى على المدى المتوسط، مدعومة بإطار مؤسسى جديد يقوم على تحديد سقف رسمى لدين الحكومة العامة، فى خطوة تعكس تحولًا واضحًا فى فلسفة إدارة المالية العامة.
هذا الرهان لا يستند إلى الأمنيات، بل يقوم على ستة محاور رئيسية، يتصدرها بند جوهرى يتمثل فى تخصيص عائدات برنامج الطروحات الحكومية لتقليص عبء الدين، وإدراك الحكومة- بعد سنوات طويلة من التردد- لأهمية برنامج الطروحات الحكومية، ودوره الحيوى فى خفض الدين العام، تطورًا إيجابيًا يحسب لها، خاصة مع التزامها بتوجيه ما لا يقل عن 50% من حصيلة الطروحات نحو تقليل المديونية. هذا التوجه من شأنه أن يعزز قدرة الدولة على تقليص الاعتماد على أدوات التمويل مرتفعة التكلفة، سواء الخارجية أو المحلية، ويفتح نافذة أوسع لإعادة هيكلة الدين بصورة أكثر استدامة.
ورغم ما يحمله هذا المسار من رسائل طمأنة للأسواق والمستثمرين، يظل السؤال الجوهرى معلقًا: لماذا تأخر تنفيذ هذا التوجه كل هذه السنوات؟.... رغم اليقين بدور سوق الأوراق المالية فى تخفيف الاختناقات التمويلية و«فك الزنقات» الاقتصادية.. قد تجد الحكومة مبررات لهذا التأخير فى اضطرابات االمنطقة، وتقلبات سعر الصرف، وتوالى الأزمات العالمية، إلا أن الواقع يشير إلى أن سنوات ما قبل جائحة كورونا كانت تمثل فرصة ذهبية لحصد مليارات الجنيهات من خلال طرح شركات قوية فى البورصة، غير أن الحكومة آنذاك اختارت الطريق الأسهل: التسويف بدلًا من المبادرة.
مع نهاية عام 2024، تعهدت الحكومة بتنفيذ سلسلة من الطروحات فى سوق المال، غير أن عام 2025 مر دون تنفيذ فعلى يُذكر، باستثناء طرح بنك المصرف المتحد فى ديسمبر من العام نفسه، وهو طرح لم يلبِّ طموحات الغالبية العظمى من مجتمع سوق المال، ولم يرقَ إلى مستوى الآمال المعقودة عليه، سواء من حيث الحجم أو الأثر.
فى ظل هذا الزخم والحديث المتجدد عن تفعيل برنامج الطروحات الحكومية، يصبح لزامًا على الحكومة أن تنتقل من مربع الوعود إلى حزمة إجراءات تنفيذية واضحة ومحفزة، تشجع الشركات على القيد فى البورصة وطرح أسهمها، عبر توسيع نطاق الإعفاءات الضريبية، وتقليص رسوم القيد والتداول بسوق الأسهم. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يتطلب حسمًا نهائيًا لملف ضريبة الدمغة البديلة عن ضريبة الأرباح الرأسمالية التى أُلغيت مؤخرًا، على ألا تتجاوز ربع فى الألف على عمليات الشراء والبيع، باعتبار أن تطبيق هذه النسبة من شأنه تنشيط قيم وأحجام التداولات، واستقطاب شرائح جديدة من المستثمرين، وإعادة الروح إلى سوق المال بوصفه شريكًا أصيلًا فى مسار الإصلاح الاقتصادى.
< ياسادة.. إذا كانت الحكومة جادة فى إنجاح برنامج الطروحات، فعليها أن تمنح سوق المال ما يستحقه من اهتمام حقيقى.