بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

أم الغلابة.. قُتلت غدرًا على يد جارتها

بوابة الوفد الإلكترونية

المتهمة استدرجت «نفيسة» وأنهت حياتها أعلى السطح

 

فى قرية روافع العيساوية الهادئة، التابعة لمركز المنشأة جنوب محافظة سوهاج، كانت الست نفيسة تتمتع بطيبة وحب الجيران كانت حكاية إنسانية تمشى على قدمين، سيدة تجاوزت الثمانين من عمرها، نحيلة الجسد، وادعة الملامح، يعرفها الجميع بابتسامتها المطمئنة وصوتها الخافت الذى لا يخلو من الدعاء للآخرين، عاشت عمرها كله وهى تؤمن أن الخير لا يضيع، وأن اليد التى تعطى لا ينبغى أن تنتظر المقابل.

على مدار سنوات طويلة، تحوّل بيت نفيسة الصغير إلى محطة رحمة لكل محتاج، أبوابه لا تُغلق فى وجه جائع، ولا يتردد صداها عن مساعدة أرملة أو يتيم أو جارٍ ضاقت به السبل، كانت تعطى من قوت يومها، وتقتطع من معاشها البسيط لتسد حاجة غيرها، حتى صار الكرم عادة يومية، لا صدفة عابرة.

فى الجوار، كانت تعيش «أسماء» ربة منزل فى منتصف العمر، تبدو حياتها مستقرة من الخارج، فزوج يعمل فى السعودية، وأبناء يعيشون معها تحت سقف واحد، ومع مرور الوقت، بدأت تتردد على نفيسة، تطلب دقيقًا مرة، ومالًا مرة أخرى، وأحيانًا طعامًا أو دواءً.

لم تشك نفيسة يومًا فى نوايا جارتها، كانت ترى فيها امرأة مثقلة بالمسؤوليات، تستحق العون لا الريبة، ومع كل زيارة، كانت العجوز تمد يدها بما تملك، غير مدركة أن تلك العلاقة غير المتكافئة تُنسج فى الظلام على خيوط من الطمع.

فى أحد الأيام مع بداية الشهر الجارى، خرجت نفيسة من بيتها كما اعتادت، لم تحمل معها سوى مفاتيحها ووشاحها القديم، ودّعت الجيران بابتسامة قصيرة، واختفت فى طرقات القرية الضيقة، بعد أن أخبرت ابنائها بأنها تنتظرهم فى الحقل.

مرّ النهار، ثم الليل، ولم تعد، فى البداية، ظن أهلها أنها جلست عند أحد الأقارب أو الجيران، أو ربما ضلّت طريقها بسبب ضعف ذاكرتها الذى بدأ يشتد فى السنوات الأخيرة، لكن القلق تمدد فى الصدور مع مرور الساعات، ثم الأيام، وبعد أسبوع، صار الغياب ثقيلاً، لا يفسره صمت الطرقات ولا طمأنينة البيوت.

شقيق زوجها، عزت، كان أكثرهم اضطرابًا، يقول لمن حوله: «نفيسة عمرها ما اتأخرت كده… فى حاجة غلط، وبعدها تقدّم ببلاغ رسمى، وبدأت الأسرة رحلة البحث بين المستشفيات وأقسام الشرطة والقرى المجاورة، بلا نتيجة.

فترة طويلة مرت، وكأن الزمن توقف عند لحظة خروجها من الباب، لم تكن النهاية كما تمنّاها أحد، التحريات التى أجرتها الأجهزة الأمنية بمديرية أمن سوهاج، تحت إشراف اللواء الدكتور حسن عبدالعزيز، قادت إلى خيط مظلم تركّزت الشبهات على محيط تعاملات نفيسة اليومية، وعلى الأشخاص الذين اعتادوا طرق بابها طلبًا للمساعدة.

اسم «أسماء» عاد يتكرر على ألسنة الأهالى، وبعد مراقبة دقيقة وتحريات موسعة، انكشفت الكارثة وأن نفيسة لم تختفِ، بل قُتلت فى اليوم نفسه الذى غادرت فيه منزلها.

التحقيقات أثبتت أن الجارة وابنتها استدرجتا العجوز إلى منزلهما، بحجة الحديث أو طلب مساعدة جديدة، وهناك، فى غرفة مغلقة، انتهت سنوات الرحمة بضربة عصا خشبية غليظة، أسقطت نفيسة على الأرض بلا حراك.

لم يتوقف الأمر عند القتل، جرّدتاها من ملابسها، وانتزعتا قرطها الذهبى، ولفّتا جسدها النحيل فى بطانية قديمة، ثم خبأتاه أعلى سطح المنزل، فى محاولة بائسة لدفن الجريمة تحت طبقات الصمت.

عندما واجهت الشرطة المتهمتين بالأدلة، انهار الجدار سريعًا، واعترفت المتهمة وابنتها بتفاصيل الواقعة كاملة بأنهما أنهتا حياتها لسرقة قرطها الذهبى.

وبإرشادهما، تم استخراج جثمان نفيسة من مكان إخفائه أعلى السطح بعد دفنه فى روث البهائم، إلى جانب العصا المستخدمة فى الجريمة، والمشغولات الذهبية المسروقة.

مشهد الجثمان الملفوف فى بطانية كان كافيًا ليكسر قلوب أهل القرية، الذين عرفوا الضحية بابتسامتها، لا بكيس أسود فى المشرحة.

تحولت روافع العيساوية إلى بيت عزاء مفتوح حزنا على الضحية، نساء يبكين فى الطرقات، رجال يقفون فى صمت ثقيل، وأطفال يسألون عن «تيتة نفيسة» التى كانت تعطيهم الحلوى كل صباح وتعطف عليهم دائما.

لم تكن الجريمة مجرد قتل، بل خيانة لفكرة الأمان نفسها، فكيف يُقتل القلب الرحيم فى بيت جارة كانت تدخل عليه طالبة العون؟.

فى بيت صغير فقد دفئه، ما زالت متعلقات نفيسة على حالها: عباءتها السوداء، وكرسى خشبى كانت تجلس عليه أمام الباب تنتظر محتاجًا جديدًا، رحلت نفيسة جسدًا، لكن سيرتها ما زالت تُروى فى القرية كدرس قاسٍ بأن الطيبة حين تصطدم بالجشع، قد تدفع الثمن غاليًا.

ومع كل دعاء يخرج من أفواه من عرفوها، يتردد سؤال واحد فى القلوب: كيف ليدٍ كانت تمتد بالعطاء، أن تُقابل بالغدر؟.

وتباشر النيابة العامة التحقيقات النهائية تمهيدًا لإحالة المتهمتين إلى المحاكمة الجنائية، ويترقب أهل القرية حكم العدالة، ليشعروا أن دم نفيسة لم يذهب هباءً.