بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

فى الذكرى الثامنة عشرة لرحيله

الشيخ الشحات أنور.. أمير النغم القرآنى

بوابة الوفد الإلكترونية

نشأ يتيمًا وحفظ القرآن بواسطة خاله وجوَّده على يد الشيخ«الفرارجى»

مسجد «الزنفلى» بداية الانطلاق..و«البوهى» يطالبه بالانضمام للإذاعة

نصف قرن فى خدمة كتاب الله.. وجمع بين الالتزام الدينى ودقة التجويد

ربطته صداقة بإمام الدعاة «الشعراوى»..وأسهم فى تأسيس نقابة القراء

كرمته «دولة التلاوة».. وحملت اسمه المسابقة العالمية للقرآن

ترك إرثًا صوتيًا حاضرًا فى الإذاعة والمدارس القرآنية

 

 

فى رحاب سماء دولة التلاوة المصرية برزت أسماء لم تكن مجرد أصوات عابرة، بل هى تراتيل سماوية حفرت اسمها فى وجدان الأمة، ومن هذه القامات القرآنية يجىء فضيلة القارئ المتفرد الراحل الشيخ الشحات محمد أنور فى الصدارة، فقد اختصه الله بحنجرة صاغها المولى سبحانه وتعالى لتكون أوتارًا تشدو بآيات الذكر الحكيم فى خشوع يزلزل القلوب، فلم يكن قارئًا عابرًا، بل كان «دولة تلاوة قائمة بذاتها»، ومن كتّاب القرية شق طريقه إلى منابر العالم، مؤكدًا أن القرآن إذا خرج صادقًا تجاوز الحدود، وكان فضيلة الشيخ «الشحات» صاحب حال مع الله، أشرق نجمه فأصبح شمس دولة التلاوة، يسير فى ضوء نوره ويقلد صوته العديد من القراء حتى ظهرت مدارس قرآنية عديدة فى الكثير من الدول تحمل اسمه، فهو واحد من أفضل من أنجبت دولة التلاوة المصرية على الإطلاق، وهو قارئ دوَّن حروف النغم بطريقته المتفردة، فغاص فى بحر القرآن بطريقة جديدة فجذب أسماع محبيه وأسر قلوبهم. سطَّر بصوته المميز اسمًا لا يستطيع التاريخ أن يمحوه من ذاكرته، ورغم رحيله فى سن مبكرة لا تتجاوز الثامنة والخمسين ظل صوته قويًا ليعشقه سميعة التلاوة إلى يوم القيامة.

فى الذكرى الثامنة عشرة لرحيله «الوفد» انفردت «الوفد» بلقاء أبنائه والمقربين منه فى هذا الحوار.

تعد أسرة العلم القرآنى الراحل الكبير فضيلة الشيخ الشحات محمد أنور من أشهر الأسر القرآنية فى العالم...«ذرية بعضها من بعض». فقد امتدت جذورها من الأب إلى الأبناء، حيث ورثوا جمال الصوت ودقة الأداء القرآنى.(والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه) الأعراف.

وإذا كان القارئ الراحل الكبير الشيخ الشحات محمد أنور أحد رموز دولة التلاوة يمثل جيل الماضى، فإن نجله القارئ الملقب بالأستاذ الشيخ أنور الشحات محمد أنور يمثل جيل الحاضر، كما أن نجله القارئ العالمى الشيخ محمود الشحات يمثل جيل المستقبل.

فقد خرجت هذه الأسرة القرآنية لتحلق فى الآفاق العالمية فى رحلة قرآنية ممتدة من الماضى إلى الحاضر والمستقبل بإذن الله تعالى.

نشأة القارئ الأب

فى البداية يقول المستشار محمد نجل الشيخ الشحات محمد أنور –رحمه الله-: ولد أبى فى أوائل الخمسينيات وتحديدًا فى أول يوليو عام 1950 بكفر الوزير مركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية، ونشأ فى أسرة متدينة محبة للقرآن الكريم، وقد شاء الله أن يتوفى والده بعد ثلاثة أشهر من ولادته لينشأ يتيمًا فتولت والدته تربيته وجدته، وتعهده خاله (حلمى محمد مصطفي) الذى احتضنه ورعاه، حتى حفظ القرآن الكريم كاملًا على يديه، وهو فى العاشرة من عمره وعرف بالشيخ الصغير. وقد ظهرت عليه علامات النبوغ وعذوبة الصوت وذاكرته القوية، حتى أنَّ زملاءه فى الكتاب كانوا يطلبون منه كثيرًا تلاوة آيات القرآن مجودة، ولم يترك فرصة ليستمع فيها للقرآن فى المناسبات الدينية إلا وانتهزها.

وأضاف نجله: عندما بلغ والدى- رحمه الله- العاشرة من عمره وبعد أن أتم حفظ القرآن الكريم اصطحبه خاله إلى قرية (كفر المقدام) وهى إحدى القرى المجاورة لكفر الوزير لكى يجود القرآن الكريم على يد الشيخ (على سيد الفرارجى) الذى أولاه اهتمامًا خاصًا بعد أن أدرك الموهبة والنباهة عليه، وأنه صاحب صوت جميل شجى، وكل هذه الصفات أهلته لأن يكون أحد أهم أشهر قراء القرآن الكريم فى مصر والعالم.

وعن البداية لعالم التلاوة أضاف قائلًا: إنه عندما وصل الشيخ (الشحات) الخامسة عشرة من عمره، بدأ يقرأ فى المناسبات فى قريته والقرى المجاورة له، حتى يعول أسرته الصغيرة، فقرأ القرآن فى كل ربوع الوجه البحرى، حتى ذاع صيته واستطاع أن تكون له بصمة وشخصية متميزة، وأهلَّه لذلك عزة نفسه وشخصيته القوية والذكاء الكبير الذى كان يتمتع به. وعندما تخطى العشرين من عمره أصبح اسمه يتردد فى كل مكان، وانهالت عليه الدعوات لتلاوة القرآن من كل حدب وصوب.

 

دراسة الموسيقى والإذاعة

وواصل المستشار محمد حديثه عن والده قائلا: إن الشيخ الشحات بلقب «أمير النغم» تقديرًا لجودة صوته ووضوح أدائه فى التلاوة فقد جمع بين الالتزام الدينى والدقة فى التجويد. وعن دخوله الإذاعة أضاف نجله: لم يكن والدى يفكر فى دخول الإذاعة فى هذه الفترة، وفى يوم من عام 1975 وكان عمره وقتها خمسة وعشرين عامًا، وجه له (المستشار حسن الحفناوى) رئيس مركز مدينة غمر الدعوة لإحياء إحدى المناسبات الدينية التى كان سيحضرها المرحوم (كامل البوهى) أول رئيس لإذاعة القرآن الكريم، وأقيم الاحتفال بمسجد(الزنفلى) بمدينة ميت غمر. وكان يحضر الدكتور كامل البوهى هذه المناسبة فاستمع له، حتى انبهر بأدائه وقراءته وصوته العذب ومدى إتقانه للتلاوة، فسأله الدكتور(البوهى) لماذا لم يلتحق بالإذاعة، وطلب منه أن يتقدم لاختبارات الإذاعة ليلتحق بها. وتقدم بالفعل بطلب للإذاعة لينضم لها ودخل اختبار اللجنة عام 1976. ورغم شدة إعجاب أعضاء اللجنة بأدائه لكنهم رأوا أنه يحتاج لمهلة لدراسة فنون التلوين النغمى. وبالفعل التحق بالمعهد الحر للموسيقى لدراسة فنون التلون النغمى لمدة عامين وتعلمه على يد خبير الموسيقى محمود كامل والملحن أحمد صدقى، حتى تمكن من أداء كل المقامات الموسيقية. وفى عام 1979 تقدم بطلب أمام لجنة إذاعة القرآن الكريم مرة ثانية لاختباره، وهذه المرة تم اعتماده بها، وتم تحديد موعد له لتسجيل بعض التلاوات القصيرة لتذاع عبر أثير موجات إذاعة القرآن الكريم. وبعد شهر تقريبًا اتصل به (أحمد الملاح) مسئول الإذاعات الخارجية والتخطيط الدينى بالإذاعة –آنذاك- وطلب منه الاستعداد لقراءة قرآن الفجر على الهواء مباشرة، وكان ذلك فى ( 16-12-1979) وهى أول مرة تذاع يها صلاة الفجر على الهواء مباشرة.

وقد كانت نقطة الانطلاقة الحقيقية وفاتحة الخير على والدى، فقد جاءته الدعوات للتلاوة والقراءة من كل حدب وصوب، وانهالت الخطابات العديدة على الإذاعة لطلب الاستماع لمزيد من التلاوات لهذا القارئ الفريد، لأنه يمتلك صوتًا عشقه الناس ولديه قدرات خاصة غير طبيعية عند التلاوة تجذب الناس وتأسر القلوب والعقول.

 

حديث الناس

واستكمل نجل القارئ الراحل الكبير: كان والدى قد تزوج من ابنة عمه، ورزقه الله، ثلاثة أبناء، أتوسطهم وست إناث، وكلنا ورثنا عنه حب القرآن والتلاوة.

وقد أصبح والدى حديث الكل خاصة مشاهير القراء. وسجل القرآن الكريم مرتلًا وأجازه مجمع البحوث الإسلامية وأهدى المصحف مرتلًا كاملًا للإذاعة المصرية،

وفى الفترة من عام (1980- 1984) وأصبح يملأ الساحة مع أعلام القراء الكبار، وحقق إنجازًا كبيرًا وشهرة واسعة.

 

سفرياته

وعن سفرياته قال نجله: ظل أبى فترة كبيرة لا يغادر مصر أو يفكر فى السفر، لكنه بعد ذلك طاف العالم شرقًا وغربًا يصدح بصوته الندى محبًا للقرآن وعاشقًا له. فقد سافر إلى بريطانيا وأمريكا والأرجنتين وإسبانيا والنمسا وفرنسا والبرازيل ودول الخليج، ونيجيريا وتنزانيا والمالديف التى كان رئيسها الدكتور مأمون عبدالقيوم صديقًا شخصيًا له، والكاميرون وجزر القمر، بالإضافة إلى زياراته المتكررة سنويًا إلى إيران لإحياء ليالى شهر رمضان المعظم مع الشيخ أبوالعينين شعيشع، وله هناك تسجيلات نادرة تتم إذاعتها فى إذاعة إيران. وأحيانًا كان يسافر مبعوثًا من وزارة الأوقاف كسفير لمصر وممثل لها فى المحافل الدولية، وأحيانًا بدعوات خاصة من رؤساء وملوك بعض البلدان. وقد تأثر به المسلمون فى الغرب حتى أنه فى إحدى المرات أثناء زيارته للولايات المتحدة الأمريكية فى ولاية «نيوجرسي» اعتنق ثلاثة وثلاثون شخصًا الإسلام، مما أثر فى الشيخ الشحات جدًا فرحًا وحبًا. وقد تعلمت من والدى خلقه الكريم فى التعامل مع الناس فقد كان يشتهر بأنه قاضٍ عرفى يفصل فى الخصومات بين الناس ويصلح بينهم، وقد استفدت منه فى عملى، حيث رافقته كثيرًا فى حياته وتعلمت منه الكثير رحمه الله.

 

مثلى الأعلى

وقال الشيخ أنور(قارئ) الابن الأكبر للشيخ الشحات- رحمه الله- إن والدى هو مثلى الأعلى، فعلى يديه حفظت القرآن وجودته، وتعلمت منه احترام القرآن والتحلى بأخلاقه وتقدير العلماء، كما أننى تأثرت به كثيرًا فى قراءته وسلوكه، فهو من شجعنى أن ألتحق بالإذاعة والتليفزيون منذ عام 2004 وكان له طيب الأثر فى نفسى، وتعلمت منه التواصل الاجتماعى والتواجد فى القرية، فقد كان دائم الحضور فى المناسبات الدينية والاجتماعية فى قريته ويشارك الناس فى جميع مناسباتهم سواء السعيدة أو فى أحزانهم، وكان حريصًا على أن يتقدم الصفوف الأولى فى العمل العام وتقديم الخدمات لأهالى قريته والقرى المجاورة، ولا يألو جهدًا فى خدمتهم جميعًا ولا ينسى أصحاب الفضل عليه. وخلال سفرياتى المتعددة فى دول العالم وجدت مقلدين له من حفظة القرآن عشقًا وحبًا فى تلاوته.

 

علاقته بإمام الدعاة

وعن علاقة الشيخ الشحات بإمام الدعاة الشيخ الشعراوى قال نجل القارئ الكبير: بنى والدى مسجدًا سماه مسجد التقوى أسفل بيته على مساحة (300) فى كفر الوزير بالدقهلية، وكان هذا المسجد بمثابة مركز للعلم وتلاوة القرآن، وكان يقصده الشيخ محمد متولى الشعراوى للاستماع إليه والتبرك به. فقد ربطتهما علاقة خاصة وكانا يتبادلان الزيارات من آنٍ لآخر سواء فى دقادوس بلد الشيخ الشعراوى أو فى كفر الوزير بلد الشيخ الشحات أو فى استراحة السيدة نفيسة بالقاهرة، خاصة أنه كان يقرأ الجمعة فى مسجد الرفاعى فيمر عليه وكانت تجمعها لقاءات خاصة كأولياء الله.

وقد أسس والدى مسابقة بورسعيد الدولية للقرآن الكريم، سنة 2003 وكان له دور بارز فى نجاحها وشهرتها، وجذب القراء والمحكمين لها وكانت فى البداية على المستوى الإقليمى تضم أربع محافظات(السويس، الإسماعيلية، الشرقية، بورسعيد) ثم اتسعت، وقد أطلقت المسابقة اسمه على الدورة السابقة التى تم تنظيمها فى عام 2024، وحرصت إدارة المسابقة على تكريمه وربط اسمه بشكل دائم كواحد من أهم أعلام تلاوة القرآن الكرم فى مصر والعالم. ومؤخرًا تم إطلاق اسم والدى على المسابقة الدولية الثانية والثلاثين التى أطلقتها وزارة الأوقاف فى بداية شهر مارس الحالى تقديرًا لإسهاماته فى نشر القرآن والتلاوة الصحيحة وكأحد شموس دولة التلاوة المصرية التى سطعت وأنارت العالم كله بصوته العذب وتلاوته المميزة.

 

إرث كبير

ويقول الشيخ محمود نجل القارئ الكبير والملقب بـ«القارئ العالمى»: والدى ترك إرثا كبيرًا من التسجيلات الصوتية والمرئية للقرآن الكريم والتى أصبحت مرجعًا للقراء وحفظة القرآن فى مصر وخارجها، كما أثرى المكتبة القرآنية بمؤلفات صوتية يمكن للطلاب والمعلمين الاعتماد عليها. وقد أسهم بشكل أساسى فى تأسيس نقابة القراء بمصر، حتى كان من القراء الكبار الذين شاركوا فى تأسيسها مع الشيخ عبدالباسط عبدالصمد والشيخ محمود على البنا، وتولى منصب الأمين العام لسنوات طويلة امتدت لنحو (28) عامًا وكرس جهده لخدمة القراء وحفظ تراث التلاوة المصرية.

 

مساجد وتسجيلات

وعن أهم المساجد التى قرأ فيها العلم القرآنى الكبير الراحل الشيخ «الشحات» أضاف الشيخ محمود: إن أبى قرأ فى العديد من المساجد منها: مسجد النور بالعباسية، حيث سجل به تسجيلات مهمة فى عام 1998. ومسجد الإمام الشافعى بالقاهرة سجل له تلاوة فى احتفالات عام 1996. وقرأ فى مساجد القصر الجمهورى والمساجد الكبرى المرتبطة باحتفالات ليلة القدر بحضور رؤساء الجمهورية. كما قرأ فى مساجد آل البيت (الحسين -السيدة زينب- السيدة نفيسة) وله تلاوات شهيرة فيها. ومسجد السلطان حسن والسيد البدوى بطنطا ومسجد سيدى إبراهيم الدسوقى بكفرالشيخ ومسجد الفولى بالمنيا، والحسن الشاذولى، والأزهر الشريف. فلم تقتصر تلاواته على مسجد واحد، بل شملت أهم المساجد الكبرى فى مصر والعالم الإسلامى سواء فى صلاة الفجر أو الجمعة على الهواء والأمسيات الدينية الخاصة. وكان يشارك دائمًا فى افتتاح المعاهد والكليات الأزهرية بصحبة الشيخ جاد الحق شيخ الأزهر الأسبق.

 

صداقة ووفاء

أما الدكتور رمضان نافع أستاذ الأمراض الصدرية بالزقازيق وهو صديق الشيخ الشحات وبمثابة الأخ له فيتذكر قائلًا: فى نهاية الستينيات كنت أذهب إلى كتاب القرية قبل أن ألتحق بالتعليم العام وكنت متعلقًا بأهل القرآن وحفظت أكثر من ثلثى القرآن وقاربت على أن أحفظه بالكامل، وفى صغرى كنت أذهب للكتاب فى قريتى «تفهنا الأشراف» التى تبعد عن قرية كفر الوزير باثنين كيلو متر فقط، ودائمًا كنت أصطحب معى كاسيت لتسجيل الحفلات والسهرات القرآنية التى كانت تقام فى سرادقات العزاء، حتى التقيت بقارئ صغير فى السن يسبقنى ببضعة أعوام، وكان عمره وقتها لكن فى الحقيقة كان صوته جميلًا جدًا بهرنى به قبل دخوله الإذاعة، وقد ربطتنى به صداقة ازدادت يومًا بعد يوم، وقال لى وقتها : ليس لدى إخوة وأنت أخى، قبل أن يكبر ولداه الشيخ أنور والشيخ محمود ونجله المستشار محمد، وكنا نتشاور فى كل الأمور، وكنت أذهب معه فى كل احتفالاته، فقد كان نموذجًا فى الأخلاق ويريد أن يكون الأفضل فى كل شىء، ما دام الله قد أعطاه الصوت والنغم وتوظيف المقامات فى مواضعها، وقد أخذت منه الجد والاجتهاد وتعلمت منه الجدية وكان أسوة لى، حتى أننى التحقت بكلية الطب، وكان خير ناصح أمين لى حتى تخرجت فى الكلية وامتدت صداقتنا إلى أن توفاه الله، وأعتبره سيد المدارس الصوتية وأمير النغم القرآنى كما كان يطلق عليه.

 

صدق الإحساس

يقول الشيخ محمد كفافى عميد معهد اعتدال مبروك النموذجى بينى بالعاشر من رمضان أحد تلامذة الشيخ الشحات محمد أنور: بدأت علاقتى بالشيخ الشحات رحمه الله عام 1988 مستمعًا له حين كنت طالبًا فى المرحلة الثانوية، حيث ترك فى نفسى عظيم الأثر وتهذيب النفس بجميل صوته العذب وإحساسه الصادق النابع من القلب، فربط بين جمال الصوت وروح الإحساس بالمعنى فى التلاوة، ثم توطدت تلك العلاقة عن طريق ابنه الأكبر الشيخ أنور، صاحب الفضل فى أن جعلنى أحد أفراد العائلة مع شقيقيه المستشار محمد والشيخ محمود وأعتبرها نعمة من الله على واصطفاء لى أن أجلس بين يدى فضيلة الشيخ الشحات كى أفهم عن قرب ما سر الحب والقبول الذى يحظى به هذا الرجل، فوجدت فيه الإخلاص وحسن السيرة والعمل، فكان صادقًا فى كل حرف يتلوه متعايشًا مع معانى القرآن الكريم، وكان فى تعامله مع الناس يجمع بين صفتين جميلتين: التواضع فى غير مذلة، وعزة النفس فى غير كبر، وكان يحب أولاده حبًا جمًا، ويخشى عليهم من دوائر الزمن، فألزمهم بحفظ كتاب الله وفهم مقصود الآيات، فلم تكن علاقته بالقرآن مجرد أداء صوتى بل تعايس كامل مع المعنى، وكان رحمه الله صاحب فضل فى النصح والإرشاد والتوجيه، وفى الحياة العملية كذلك، وكنت أسمعه دائم النصح للمحيطين به، وكأنه يبذر ثمرة من الخير فى كل قلب اقترب منه، فحصد تلك الثمرة بحسن السيرة وصفاء السريرة، ونال التكريم الرسمى والشعبى بإخلاصه فى القول والعمل، رحمه الله.

 

الرحيل

ويختتم المستشار محمد الحديث قائلًا: إن والدى- رحمه الله- ظل رمزًا للتفانى فى خدمة القرآن حتى بعد وفاته، وترك بصمة كبيرة فى عالم التلاوة وظلت روحه وأثره باقيًا فى قريته وفى قلوب محبيه وعشاق صوته حول العالم. وفى فجر يوم 13 يناير مطلع عام 2008 كانت المحطة الأخيرة فى حياته ليرحل عن عالمنا إلى دار الآخرة فى عمر السابعة والخمسين فى 13 يناير عام 2008 وتم دفنه فى مسقط رأسه بقرية كفر الوزير بمركز ميت غمر، وكان قد توقف عن القراءة قبل رحيله بثمانى سنوات بعد أن أصابه المرض. وختامًا.. بقى والدى نموذجًا للالتزام الدينى والتميز فى قراءة القرآن الكريم من طفولته إلى صعوده على المنصة العالمية لتكريمه، وبالرغم من أنه الأقل عمرًا بين القراء لكنه الأكثر تراثا وتأثيرًا، كما قال الشيخ أبو العينين شعيشع. فلم يحل ضيفًا فى بلد إلا وأنشئت مدرسة للتلاوة باسمه وآخرها بعد مماته فى إندونيسيا بموافقة وحضور شقيقى الشيخ محمود الشحات لوضع حجر الأساس لها.