فى الحومة
أمريكا ووزارة الحرب
إن العالم يعيش اليوم صراعاً أممياً وجوديا، فقد قامت الولايات المتحدة بعملية عسكرية استخباراتية أطلقت عليها اسم «العزم المطلق» استهدفت العاصمة الفنزويلية كاراكاس وأدت إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى الأراضى الأمريكية، وتعتبر أمريكا هذه العملية مهمة استخلاص قانونية وليست اختطافا على خلاف ما يراه العالم أجمع من إسباغ الوصف الصحيح باعتبارها جريمة اعتداء على دولة ذات سيادة، والاتهامات التى أذاعتها الإدارة الأمريكية من إسناد لائحة اتهام صادرة عن وزارة العدل الأمريكية ضد مادورو وزوجته تشمل الإرهاب المرتبط بالمخدرات لإغراق أمريكا بالكوكايين، وتعتبر إدارة ترامب مادورو ديكتاتور غير شرعى وتم اختطافه هو وزوجته وترى واشنطن أن الانتخابات احتيالية وأعلنت أنها ستدير شؤون البلاد مؤقتا حتى يتم انتقال آمن للسلطة، وأعلن ترامب أنه سيقوم بإدارة شئون فنزويلا باعتباره قائم بأعمال رئيس فنزويلا لتأمين قطاع الطاقة والسيطرة على موارد النفط الفنزويلية، وترى الإدارة الأمريكية أن نظام مادورو كان يشكل تهديدا أمنيا مباشرا للمجتمع الأمريكى من خلال الجريمة المنظمة، والحقيقة أن هذه الجريمة الكبرى من اختطاف رئيس دولة والسيطرة على مقدراتها فيه عودة للوراء فى فرض السيطرة والقوة والاعتداء على سيادة الدول واستعمارها وسط صمت دولى غريب لكنه فى واقع الأمر يكشف عن عالم بداء فى ردة حضارية تتمثل فى انتهاج شريعة الغاب، وذلك بسبب عدم فاعلية الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن بسبب استخدام الفيتو الأمريكى بالإضافة إلى أن العالم لم يعد متعدد الأقطاب، وعلى الرغم من أن الرئيس الأمريكى يعمل فى ظل دولة مؤسسات واستراتيجيات ثابتة إلا أن ترامب غير وجهة وسياسة الإدارة الأمريكية واستخدم لغة القوة المفرطة بدلا من سياسة القوة العسكرية لدفع الإدارة الدبلوماسية وبدأت السياسة الأمريكية ترى أن وضعها العسكرى سيمكنها من فرض السيطرة على مواضع اقتصادية فى أماكن عدة فى هذا العالم وبدأ ترامب ينفذ حلمه بحكم العالم دون النظر إلى سيادة الدول الأخرى، ومن هنا فقد قام فى ٥ سبتمبر ٢٠٢٥ بإصدار قرار تنفيذى بتغيير اسم وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب، وهذا الأمر لم يكن تغيير شكلى بل تغيير استراتيجى لرسم سياسة ومعتقد جديد لسياسة البنتاجون يهدف إلى التحول من عقلية الدفاع إلى عقلية الهجوم، حيث يرى ترامب أن أعظم انتصارات أمريكا تحققت عندما كان المسمى وزارة الحرب وأن الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام القوة العسكرية القصوى إذا لزم الأمر وليس لمجرد حماية حدودها، ويرى وزير الدفاع أن تغيير الاسم هو جزء من عملية أوسع لإصلاح الثقافة العسكرية داخل البنتاجون وجعل القوات المسلحة أكثر فتكا وجاهزية للقتال، والحقيقة أن هذا التغيير يعد تحولا جذريا فى العقيدة السياسية والعسكرية الأمريكية، وأثار هذا التغيير المخاوف لدى العديد من الدول وارتأت أن أمريكا تخلت عن لغة الحوار السياسى وأن لغة القوة هو سبيلها لإنهاء المشكلات والاختلافات مع الدول الأخرى، وأعربت الصين عن تلك الخطوة بأنها إحياء لعقلية الحرب الباردة وحذرت وزارة الخارجية الصينية من أن هذا التغيير ليس مجرد تبديل للمسميات بل هو مؤشر على توجه عدوانى يؤدى إلى زيادة سباق التسلح فى منطقة المحيطين الهادئ والهندى، وأشارت روسيا إلى أن أمريكا أزاحت القناع وتبقى حقيقة لا جدال فيها أن هذا القرار سيكون له ما بعده من إنفراد وهيمنة أمريكية باستخدام القوة العسكرية لفرض السيطرة على العالم وتلك حقبة ترامبية سوف يعانى منها العالم أجمع.