بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

الإسراء والمعراج وفلسفة الإيمان بما فوق العقل

بوابة الوفد الإلكترونية

تُمثلُ معجزةُ الإسراء والمعراج المَحطَّةَ الفارقةَ في اختبارِ اليقينِ البشريِّ، فهي لم تَكنْ مجردَ رِحلةٍ مَكانيَّةٍ أو زمانيَّةٍ، بل كانت إعلاناً لسيادةِ "الغيبِ" على "المادةِ"، وتأسيساً لـمَنطقِ "ما فوقَ العقلِ" لا "ما يُصادمُ العقلَ"، إنَّ المتأملَ في صُدورِ السورِ القرآنيةِ يجدُ أنَّ القرآنَ الكريمَ وَضعَ أُطراً رئيسيةً لِبناءِ الشخصيةِ المؤمنةِ، تَنطلقُ من التسليمِ بـالـمُعجزةِ كجزءٍ أصيلٍ من المنظومةِ الغيبيةِ.

الإطارُ الأوَّلُ: ﴿الـمٓ﴾ الإيمانُ بـما فوقَ الإدراكِ البشريِّ

افتتحَ اللهُ تَعالى كتابَهُ العزيزَ بـالحروفِ الـمُقطعةِ {الٓمٓ} [البقرة: ١]  ، وهي في مَنظورِ المحققينَ من أهلِ التفسيرِ إشارةٌ إلى "عجزِ العقلِ" عن الإحاطةِ بكلِّ أسرارِ الوحيِ، فذهب كثير منهم إلى أنها من المتشابهات التي استأثر الله -عز وجل- بعلمها، فنحن نؤمن بتنزيلها ونكل إلى الله -عز وجل-.

قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -: لله -عز وجل- في كل كتاب سرّ، وسرُّ الله في القرآن أوائل السور إنَّ هذه الحروفَ تُربي في المؤمنِ مَقامَ "التواضعِ المعرفيِّ"؛ فالعقلُ أداةٌ لِفهمِ الخِطابِ، لكنه ليس مِقياساً لِحقيقةِ الغيبِ.

فإذا كانت {الٓمٓ} قد أَعجزتْ فُصحاءَ العربِ بـبنيتِها، فإنَّ رحلة الإسراء والمعراج قد أَعجزَ عقولَهم بـسرعتهِا. وكما يذكرُ الإمامُ الفخرُ الرازيُّ في "تفسيره"، فإنَّ الحكمةَ من الـمُعجزاتِ التي تخرقُ المألوفَ هي نَقْلُ الإنسانِ من مَحدوديةِ "عالمِ الشهادةِ" إلى رَحابةِ "عالمِ الغيبِ"، لِيُدركَ أنَّ قدرةَ الخالقِ لا تُقاسُ بقوانينِ الـمخلوقِ [انظر: التفسير الكبير، ج١، ص٧٥ وما بعدها].


الإطارُ الثاني: {ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِ} اليقينُ مَصدرُ التلقي
جاءَ الإطارُ الثاني لِيؤكدَ أصالةَ المَصدرِ: {ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِ} [البقرة: ٢] . إنَّ نفيَ "الرَّيبِ" هنا ليس مجردَ نفيٍ للشكِّ، بل هو إثباتٌ لليقينِ الـمُطلقِ الذي لا يَخضعُ للتجربةِ الـماديةِ القاصرةِ. فعندما عادَ النبيُّ  - صلى الله عليه وسلم -  من رِحلتهِ وأخبرَ الناسَ، انقسموا إلى مَن غلبَهُ "الرَّيبُ" لِتحكيمِ عقلهِ الـمحدودِ، ومَن غلبَهُ "اليقينُ" لِتحكيمِ إيمانهِ بـمَصدرِ الخَبرِ.

وهنا يبرزُ مَقامُ الصديقيةِ العُظمى في سيّدنا أبي بكرٍ -رضي الله عنه-، الذي لم يَسأل عن "كيفيةِ" الرحلةِ، بل سألَ عن "قائلِ" الخبرِ، فقال كلمتهُ الخالدةَ: "إن كانَ قالَ فقد صَدَقَ". إنَّ مَنطقَ سيدنا أبي بكرٍ الصديق – رضي الله عنه - هو التطبيقُ العمليُّ لقولهِ تعالى: {لَا رَيۡبَۛ فِيهِ}؛ فما دامَ المَصدرُ إلهياً، فإنَّ المعجزةَ تصبحُ حقيقةً واقعةً وإن لم يَستوعبْها الخيالُ البشريُّ.

الإسراء والمعراج المعجزة الكبرى 
الإطارُ الثالثُ: {ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ} المعجزةُ كاختبارٍ لليقينِ
إنَّ الركيزةَ الثالثةَ في مطلعِ سورةِ البقرةِ هي قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ} [البقرة: ٣] . وقد وضعَ القرآنُ "الإيمانَ بالغيبِ" كأولِ صفةٍ للمتقينَ قبل "إقامِ الصلاةِ"، لأنَّ الإيمانَ بالمعجزةِ - كالإسراءِ والمِعراجِ - هو جوهرُ الغيبِ.

ومعجزة الإسراء والمعراج مِصداقُ الإيمانِ بالغيبِ الذي يُخرجُ المؤمنَ من ضيقِ "المحسوسِ" إلى سَعَةِ "القدوسِ".

وفي هذا المَقامِ، يَروي الإمامُ البخاريُّ في "صحيحهِ" عن مالكِ بنِ صَعصعةَ أنَّ النبيَّ  - صلى الله عليه وسلم - قال: «بَيْنَا أَنَا عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَاليَقْظَانِ... إِذْ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَشُقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ البَطْنِ، ثُمَّ غُسِلَ القَلْبُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا» [صحيح البخاري: ٣٢٠٧]، إنَّ عمليةَ "مَلءِ القلبِ بالحكمةِ والإيمانِ" هي إعدادٌ لدنيٌّ لِتَحَمُّلِ مَشاهدِ الغيبِ التي لا يَقوى عليها العقلُ الـمجردُ، وهي دلالةٌ على أنَّ الإيمانَ بالمعجزةِ يَحتاجُ إلى "وعاءٍ" قلبيٍّ قبلَ التصور العقلي.

وتعلمنا رحلة الإسراء والمعراج أنَّ "الحقيقةَ الغيبية" أكبرُ من "الإدراكِ العقلي"، فالمؤمنُ الذي يَقبلُ بـأنَّ اللهَ خلقَ الكون من عَدمٍ (وهو أمرٌ فوقَ العقلِ)، لا يَصعبُ عليه الإيمانُ بـأنَّ اللهَ طَوى لِنبيهِ الزمانَ والمكانَ.