حرب ومفاوضات على جبهتين
صواريخ موسكو الليلية ودبلوماسية بروكسل
أعلنت وزارة الدفاع الروسية، أمس، عن تدمير منظومات دفاعها الجوى لـ 48 طائرة مسيرة أوكرانية فى تصعيد للعمليات العسكرية الجوية، بين الجانبين وسجلت حصيلة العمليات تدمير الطائرات المسيرة فوق ست مناطق روسية، حيث تركزت الغالبية العظمى منها فى المناطق الجنوبية والغربية الحدودية مع أوكرانيا.
يأتى هذا الإعلان العسكرى المتصاعد فى وقت تكثف فيه العواصم الأوروبية، بعيدًا عن أزيز الطائرات المسيرة، مناقشاتها حول خطوة دبلوماسية غير مسبوقة لتعيين مبعوث أوروبى خاص للتفاوض مع روسيا بشأن أوكرانيا، فى محاولة لضمان مقعد للقارة القديمة على طاولة مفاوضات يبدو أنها تتحضر فى الأفق.
ويشير التركيز الجغرافى للحصيلة إلى استمرار المناطق الجنوبية والغربية الحدودية مع أوكرانيا كبؤر ساخنة لهذه الهجمات. وتصف المصادر الرسمية الروسية هذه العمليات بأنها «أساليب إرهابية»، مؤكدة أن ردها العسكرى محدد ومركز على ما تسميه «جرائم نظام كييف»، يستهدف حصرًا - وفق بياناتها - البنية التحتية العسكرية الأوكرانية، وعلى النقيض تؤكد أوكرانيا شرعية أهدافها العسكرية ضمن سياق عملياتها الدفاعية.
بينما كانت صواريخ الدفاع الجوى تعمل فى سماء روسيا، كانت العواصم الأوروبية تناقش تقريرًا نشرته صحيفة «بوليتيكو» الأمريكية، يفيد بأن دول الاتحاد الأوروبى تدرس تعيين ممثل أو مبعوث خاص لمفاوضات السلام بشأن أوكرانيا، يتم تفويضه بالتفاوض مع الجانب الروسى نيابة عن التكتل.
ووصفت الصحيفة هذه الخطوة المحتملة بأنها غير مسبوقة وقد تشكل تحولًا جوهريًا فى التعامل الأوروبى مع ديناميكيات السلام، خاصة فى ظل الوساطة الأمريكية التى يقودها الرئيس دونالد ترامب، وأشارت إلى أن الفكرة نوقشت من قبل فى قمة مارس الماضى وأعيد فتح النقاش حولها حديثًا بزعامة فرنسا وإيطاليا، وسط تصاعد الدعوات لفتح قنوات حوار مع موسكو.
ووفق صحيفة «بوليتيكو» فإن الهاجس الأوروبى الرئيسى، هو الخوف من أن يصبح الاتحاد الأوروبى غير قادر على الدفاع عن مواقفه ومصالحه الأمنية إذا استمرت مفاوضات السلام تجرى بشكل ثنائى أساسًا بين واشنطن وموسكو، دون تمثيل أوروبى مباشر وفعال.
وعلى الرغم من الدعم الذى تحظى به الفكرة، فإن تفاصيلها لا تزال موضع جدل حاد بين الدول الأعضاء البالغ عددها 27 دولة فى العديد من المحاور، كطبيعة الدورالذى سيمثله مبعوث الاتحاد الأوروبى بأكمله أم «تحالف الراغبين» فقط؟ والمستوى الدبلوماسى للممثل والجهة التى سيرفع لها تقارير، إضافة إلى تردد أسماء مثل رئيس الوزراء الإيطالى السابق «ماريو دراجى» والرئيس الفنلندى الحالى ألكسندر ستوب.
تأتى هذه المناقشات الأوروبية فى وقت يشهد تسارعًا فى المسار التفاوضى الأوسع، فقد أعلن الرئيس الأوكرانى «فولوديمير زيلينسكى» عن سلسلة اجتماعات قادمة مع حلفائه، بعد لقائه بـ«ترامب» أواخر ديسمبر الماضى، حيث ناقشا خطة سلام أوكرانية من 20 نقطة كما عبر مسئولون أمريكيون عن رأى مفاده أن الجانبين الروسى والأوكرانى «يقتربان» من اتفاق.
فى المقابل، أكد مسئولون أوروبيون أن منصب المبعوث الخاص لم يتم استحداثه بعد رسميًا، وأن أى حديث عن مرشحين محددين لا يزال سابقًا لأوانه، ومع ذلك فإن مجرد وجود نقاش جاد وجهورى حول هذه الخطوة يعكس تحولًا فى التفكير الاستراتيجى الأوروبى، ورغبة واضحة فى عدم ترك مصير الأمن القارى يقرر بالكامل فى عواصم أخرى..
كما يعكس التطوران المتوازيان – التصعيد العسكرى المتمثل فى الهجمات المسيرة والرد الدفاعى الروسى، والتطور الدبلوماسى الأوروبى الساعى للمشاركة – الطبيعة المعقدة والمتعددة المستويات لهذا الصراع. فبينما تستمر المعركة على الأرض وفى السماء، تتشكل فى الخلفية الدبلوماسية معادلات جديدة.
وفى ظل هذه الأجواء الساخنة يبقى السؤال هل ستتمكن أوروبا من توحيد صفوفها والاتفاق على دور فاعل فى لحظة مصيرية، أم أن انقساماتها الداخلية ستجعلها مجرد متفرج على مفاوضات سترسم مستقبل الأمن فى القارة لسنوات قادمة؟، وختامًا بينما تبحث الدبلوماسية عن فتحات فى جدار المواجهة، تستمر الطائرات المسيرة فى التحليق، مذكرة بأن طريق السلام لا يزال طويلًا وشائكًا.