بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

شَرْطَةٌ مائلة

بيبي والنجاة، إسرائيل تحت سيطرة نتنياهو

لم يعد بقاء بنيامين (بيبي) نتنياهو في رئاسة الحكومة الإسرائيلية، أو تمسكه بها، مسألة سياسية عادية تخضع لقواعد المنافسة الديمقراطية، بل تحولت إلى مشروع متكامل للبقاء، تتداخل فيه أدوات السلطة مع أدوات التشريع، ويتشابك فيه المسار الانتخابي مع المسار القضائي، وصولًا إلى محاولة إعادة تعريف العلاقة بين الحاكم "الملك بيبي" والدولة الإسرائيلية.
الرجل الذي يواجه محاكمات مفتوحة بتهم الفساد والاحتيال وخيانة الأمانة، لا يخوض الانتخابات من موقع زعيم حزب هليكود الذي يسعى إلى نيل ثقة الجمهور، بل من موقع متهم يرى في خسارته السياسية خطرًا وجوديًا عليه شخصيًا، وعلى مستقبله القانوني، بل وربما على حريته، لأنه إن لم يبق في منصب رئيس الوزراء سيواجَه بلجنة تحقيق رسمية في أحداث طوفان الأقصى، إضافة إلى فضيحة "قطر جيت".
تشير استطلاعات رأي في إسرائيل إلى احتمال حقيقي لهزيمة هليكود ومعسكره في أي انتخابات قادمة، وبدلا من الاستعداد لاحترام نتائج صناديق الاقتراع، يجري منذ الآن العمل المنهجي على نزع "الشرعية" عن النتائج المحتملة، في دولة الاحتلال التي تتفاخر بأنها "ديمقراطية"، ففي الأشهر الأخيرة، ضجت وسائل إعلام محسوبة على نتنياهو باستطلاعات رأي منحازة، تتنبأ بانتصار الائتلاف اليميني المتطرف الذي يقود دولة الاحتلال، لا بهدف التحليل، وإنما بهدف صناعة وعي مسبق لدى الجمهور المؤيد بأن الفوز "مضمون"، وأن أي نتيجة مخالفة لا بد أن تكون نتاج تلاعب أو مؤامرة.
السيناريو الذي كان يُعد حتى وقت قريب خيالًا سياسيًا في إسرائيل بات اليوم مطروحًا علنًا، حكومة ترفض الاعتراف بنتائج انتخابات خاسرة، بحجة أن المحكمة العليا نفسها فقدت الشرعية، وهنا لا يعود الخلاف حول حكومة أو ائتلاف، بل حول الجهة التي تملك الكلمة الفصل في النظام السياسي، في قلب هذا الصراع تقف المحكمة العليا الإسرائيلية، فهجوم نتنياهو ومواليه عليها لا يرتبط بقانون بعينه أو قرار محدد، بل بمحاولة تقويض سلطتها، واليوم تُستهدف بذريعة قانون "علة المعقولية"، وهو مفهوم قانوني قد يبدو تقنيًا بالنسبة لشرائح واسعة من الجمهور، وكان هذا جزءا من صراع واسع بين الحكومة والسلطة القضائية حول صلاحيات كل منهما .
هدف نتنياهو واضح، يتمثل في خلق واقع تُصبح فيه المحكمة العليا طرفًا سياسيًا في نظر الجمهور الإسرائيلي، لا سلطة قضائية مستقلة، بحيث يمكن لاحقًا تجاهل قراراتها أو رفض تنفيذها باسم "إرادة الشعب" كما يعرّفها الائتلاف اليميني الحاكم.
بالتوازي مع الهجوم على القضاء، يعمل معسكر نتنياهو على مسار تشريعي، مبادرات مطروحة في الكنيست لتغيير آلية اختيار القضاة، ومحاولات إلغاء جريمة الاحتيال وخيانة الأمانة، وهو ما لا يمكن فصله عن محاكمة نتنياهو الجارية، هذه ليست "إصلاحات" عامة، بل تشريعات مصممة بعناية لتغيير قواعد اللعبة، وهي تعبّر عن إدراك واضح بأن "الحسم" القضائي قد يكون أخطر على نتنياهو من أي خسارة انتخابية.
ويزداد هذا الإدراك حدّة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن خسارته تعني، عمليًا، استمرار محاكمته دون غطاء سياسي، وتشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من أكتوبر 2023، وإعادة فتح ملفات ثقيلة مثل قضية الغواصات الألمانية، وملف "قطر جيت"
غير أن أخطر المسارات جميعًا هو مسار العفو الرئاسي، فالكشف عن رأي قانوني سِري أُعد عام 2019، بطلب من مقرّبين من يتسحاق هرتسوج قبل انتخابه رئيسًا، قد أثار ردود أفعال كبيرة في إسرائيل، فبحسب تحقيق صحفي؛ جرى بحث إمكانية منح نتنياهو عفوًا مبكرًا، حتى قبل تقديم لائحة الاتهام، مقابل اعتزاله الحياة السياسية، ورغم النفي الرسمي الصارم من مكتب الرئاسة الإسرائيلية؛ فإن الأسئلة التي يثيرها الملف لم تُغلق، فلماذا لم يطرح هليكود مرشحًا منافسًا لهرتسوج في انتخابات الرئاسة؟ ولماذا ظل خيار العفو عن بيبي حاضرًا في الخطاب السياسي قبل المحاكمة وبعدها؟ ولماذا يقدّم نتنياهو اليوم طلب عفو رسمي دون الاعتراف بالذنب؟
وصفت شخصيات قانونية بارزة في إسرائيل هذا الرأي القانوني بأنه "زلزال"، واعتبرت أن مجرد التفكير في عفو مقابل انسحاب سياسي يشكل مساسًا جوهريًا بمبدأ المساواة أمام القانون، إلى هذا كله يضاف العامل الخارجي، وتحديدًا الدور الذي يلعبه دونالد ترامب، فالرئيس الأميركي لم يكتفِ بتصريحات داعمة، بل مارس ضغطًا علنيًا على الرئيس الإسرائيلي للنظر في منح نتنياهو عفوًا، وتحدث عن الأمر فوق منصة الكنيست نفسها.
هذا التدخل لم يكن عرضيًا، بل جزءًا من استراتيجية أوسع يعمل فيها نتنياهو على تدويل أزمته القضائية، وتحويلها إلى قضية "اضطهاد سياسي" أمام الرأي العام الغربي، في محاولة لإضعاف شرعية المؤسسات الإسرائيلية من الخارج بعد استنزافها من الداخل.
في المحصلة، لم يعد نتنياهو في صراع مع خصوم سياسيين، بل في صراع مفتوح مع بنية النظام الإسرائيلي ذاته. فالديمقراطية المزعومة في إسرائيل، بقواعدها ومؤسساتها، لم تعد تضمن له الحماية، بل باتت تهديدًا مباشرًا له.
ولهذا، فإن السؤال المطروح لم يعد: هل سيفوز نتنياهو في الانتخابات المقبلة؟ بل: إلى أي حد يمكن لرجل واحد أن يعيد تشكيل إسرائيل ومؤسساتها، فقط كيلا يُحاسَب؟

 

محمد عبد الدايم هندام، كاتب ومترجم، صحفي حر، مُحاضر الأدب العبري الحديث والدراسات الإسرائيلية، كلية الآداب، جامعة المنصورة، مصر
[email protected]