منصة البرلمان بوجه نسائي.. كيف تغيرت قواعد اللعبة السياسية؟
في مشهد غير مسبوق داخل الحياة البرلمانية المصرية، افتتح مجلس النواب الجديد أعمال فصله التشريعي لعام 2026 بصورة ستظل محفورة في الذاكرة السياسية، بعدما اعتلت ثلاث سيدات منصة البرلمان خلال الجلسة الافتتاحية، في لحظة تاريخية جسدت ملامح "الجمهورية الجديدة" التي تسعى الدولة لترسيخها على أرض الواقع، لا بالشعارات بل بالممارسة الفعلية.
ذلك المشهد، الذي بدا للبعض بروتوكوليًا في ظاهره، حمل في جوهره رسائل سياسية واجتماعية عميقة، تؤكد أن تمكين المرأة لم يعد مجرد خطاب إعلامي، بل أصبح واقعًا ملموسًا داخل أروقة السلطة التشريعية. منصة جمعت بين الخبرة والشباب، بين الماضي والحاضر، وبين عراقة المؤسسة البرلمانية وطموحات المستقبل.
مجلس بلا أغلبية.. وبرلمان بإرادة شعبية
وفي هذا السياق، أكد الدكتور صلاح حسب الله، خبير النظم البرلمانية والمتحدث الرسمي الأسبق باسم مجلس النواب، أن الفصل التشريعي الجديد يمثل حقبة تاريخية فاصلة في مسار الدولة المصرية، مشددًا على أن المجلس الحالي جاء نتيجة عملية انتخابية أعاد "فيتو الرئيس" تصحيح مسارها لتكون تعبيرًا حقيقيًا عن إرادة المواطنين.
وأوضح حسب الله أن بيان الرئيس عبد الفتاح السيسي في 17 نوفمبر 2025 مثّل فيتو دستوريًا وأخلاقيًا أعاد توجيه بوصلة العملية الانتخابية، ومنح الهيئة الوطنية للانتخابات الضوء الأخضر لإعادة الانتخابات في عدد من الدوائر لضمان نزاهة التمثيل الشعبي.
وأشار إلى أن هذا التدخل الرئاسي أعاد تشكيل الخريطة البرلمانية بصورة أكثر توازنًا، وأسفر عن مجلس بلا أغلبية مطلقة، مع صعود كتلة المستقلين التي تضم نحو 150 نائبًا، وهو ما يضع المجلس أمام تحدٍ حقيقي لإثبات انحيازه الأول لـ"بوصلة الشارع" وليس لأي مصالح حزبية ضيقة.
ثلاث سيدات على المنصة.. رسالة دولة
وحول المشهد التاريخي باعتلاء ثلاث سيدات منصة البرلمان، أوضح حسب الله أن الدستور والقانون ينصان على أن ترأس الجلسة الافتتاحية يكون بواسطة أكبر الأعضاء سنًا بمساعدة أصغر عضوين، مشيرًا إلى أن الصدفة القانونية جعلت هذه الشروط تنطبق لأول مرة على ثلاث نائبات.
وأشار إلى أن النائبة عبلة الهواري، صاحبة التاريخ التشريعي والرقابي الطويل، ترأست الجلسة بصفتها أكبر الأعضاء سنًا، فيما ساعدتها نائبتان شابتان تمثلان جيل الشباب، ما منح المنصة توازنًا فريدًا بين الخبرة والحيوية.
وأكد حسب الله أن هذا المشهد تجاوز كونه مجرد "ديكور بروتوكولي"، بل يعكس إرادة سياسية حقيقية لتمكين المرأة جرى ترسيخها على مدار 15 عامًا، وتحولت من شعارات إلى ممارسة فعلية داخل البرلمان، مشددًا على أن الهواري نموذج برلماني قوي أثبت كفاءته في دورات سابقة، ما منح الجلسة ثقلاً تشريعيًا ورقابيًا كبيرًا.
وأضاف أن وجود النائبتين الشابتين بجوارها جسد مفهوم تواصل الأجيال داخل المؤسسة التشريعية، ورسخ رسالة واضحة بأن مستقبل مصر يُبنى بتحالف الخبرة مع الشباب، وأن الكفاءة النسائية أصبحت جزءًا أصيلًا من نسيج الدولة.
أجندة ساخنة تحت قبة البرلمان
وحول الأجندة التشريعية المبكرة، أوضح حسب الله أنها تتضمن ملفات شديدة الحساسية، على رأسها قانون الإيجار القديم الذي يمس حياة نحو 9 ملايين مستأجر، مؤكدًا ضرورة تحقيق توازن عادل بين حقوق المالكين والمستأجرين بما يحقق العدالة الاجتماعية.
كما أشار إلى مشروع قانون الإجراءات الجنائية، واصفًا إياه بـ"دستور العدالة"، مؤكدًا أن المجلس يسعى لاستكمال بناء منظومة تقاضٍ حديثة تليق بالدولة الوطنية الحديثة، وتنهي العمل بنصوص قانونية تعود إلى عام 1937، في خطوة تعكس تحديث البنية التشريعية للدولة.
رئيس المجلس.. صنايعي التشريع والرقابة
وأشاد حسب الله باختيار المستشار هشام بدوي رئيسًا لمجلس النواب بأغلبية ساحقة، واصفًا إياه بـ"الصنايعي" الذي يجمع بين جناحي التشريع والرقابة، مشيرًا إلى أن خلفيته القضائية تمنحه القدرة على صياغة قوانين محكمة دستوريًا وفنيًا، بينما تمنحه خبرته السابقة كرئيس للجهاز المركزي للمحاسبات أدوات قوية لتفعيل الدور الرقابي للبرلمان على أداء الحكومة.
وأكد أن الشارع المصري ينتظر من المجلس دورًا رقابيًا حقيقيًا يعكس هموم المواطنين ويضع الحكومة تحت المساءلة البناءة.
كما أشاد بالنظام الرقمي والتصويت الإلكتروني داخل المبنى الجديد للمجلس، والذي اختصر الجلسات الإجرائية من ساعات طويلة إلى دقائق معدودة، معتبرًا ذلك ترجمة عملية لرؤية مصر 2030 وبناء دولة عصرية تعتمد على التكنولوجيا والحوكمة الرشيدة.
رسالة الجمهورية الجديدة
واختتم خبير النظم البرلمانية تصريحاته بالتأكيد على أن منصة النساء التي افتتحت أعمال الفصل التشريعي الجديد تمثل برهانًا حيًا على تمكين المرأة، ورسالة واضحة للداخل والخارج بأن الجمهورية الجديدة تعترف بدور المرأة والشباب كشركاء أساسيين في صناعة القرار ورسم مستقبل الدولة داخل البرلمان وخارجه.
مشهد ثلاث سيدات على منصة البرلمان لم يكن مجرد صورة عابرة، بل لحظة فارقة تختصر مسارًا طويلًا من النضال والتمكين، وتؤكد أن مصر تمضي بخطى ثابتة نحو دولة مدنية حديثة تُدار بالكفاءة لا بالنوع، وبالقدرة لا بالانتماء، في برلمان يعكس وجه الوطن الحقيقي.