بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

حكم الجمع بين نية صيام كفارة اليمين ونية التطوع في شهر رجب

بوابة الوفد الإلكترونية

يعد الجمعُ بَين نِيَّةِ صوم كفارة اليمين الواجبة وثواب الصوم في شهر رجب في يومٍ واحدٍ -جائزٌ شرعًا، ويحصُلُ للصائِمِ بذلكَ الأَجرَين، وإن كان الأكثر ثوابًا أن يخُصَّ كل صوم بأيام معينة ولا يجمع معها نية صيام آخر.

أفضلية الأشهر الحرم على غيرها من الشهور

ومن المقرر أنَّ الأشهر الحُرُم قد ميَّزها الله تعالى على سائر الشهور وعظَّمها بقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36].

وهذه الحُرمة التي تشمل رجب وذا القعدة وذا الحجة والمحرم -تَفرِض سِياجًا مِن الهيبة حول هذا الزمان، فيتعاظم فيه أجر الطاعة كما يتعاظم فيه وزر المعصية، وكأن الله يدعونا فيه إلى هُدنة مع النَّفْس ومع الآخرين، وإلى فتح صفحة جديدة مِن القُرُبات. ينظر: "تفسير الرازي" (16/ 41، ط. دار إحياء التراث العربي).

مكانة شهر رجب

ولم تكن مكانة رجب وليدة الإسلام فحسب، بل إنَّ جذور تعظيمه تمتد إلى أعماق التاريخ العربي قبل البعثة، فقد كانت القبائل -على ما بينها من حروب وثارات- لا يقاتلون في هذا الشهر ولا يُسمع لهم فيه قعقعة سيوف أو صليل رماح حتى سُمي "الأصَم". ينظر: "أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب" لابن دحية الكلبي (ص: 30، ط. المكتب الإسلامي).

كما أطلقوا عليه "الفَرْد" لانفراده عن بقية الأشهر الحرم المتوالية، وكثرة الأسماء التي أطلقها العرب قديمًا على شهر رجب لم تكن إلَّا انعكاسًا لمكانته الراسخة في وجدانهم، فإنَّ كثرة الأسماء تدلُّ على شرف المسمَّى، أَو كمالِه فى أَمر من الأمور. ينظر: "بصائر ذوي التمييز" للفيروزآبادي (1/ 88، ط. المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية)، ولهذا أقرَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم حُرْمة هذا الشهر، لكنه هذَّبها من شوائب الجاهلية، ووجَّه تعظيمه نحو عبادة الله وحده.

الصوم في شهر رجب

ومِن أهم الطاعات وأعظم القُرُبات التي أقرها الشرع الكريم في رجب: الصوم، حين سُئِل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن سِرِّ إكثاره من الصيام في شعبان، فأجاب: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ» رواه النسائي.

فقوله هذا يُشعر بأن رجبًا ورمضان كانا شهري عبادة واجتهاد عند الناس، مما يجعلهم يغفلون عن الشهر الذي يقع بينهما، فهذه الإشارة وإن لم تكن أَمْرًا مباشرًا إلَّا أنها تعكس واقعًا كان معلومًا ومقررًا في ذلك الزمان، وفي ذلك يقول الحافظ ابن حجر في "تبيين العَجَب بما ورد في شهر رجب" (ص: 26- 27، ط. مؤسسة قرطبة) بعد إيراده لهذا الحديث: [فهذا فيه إشعارٌ بأنَّ في رجب مشابهة برمضان، وأنَّ الناس يشتغلون من العبادة بما يشتغلون به في رمضان، ويغفلون عن نظير ذلك في شعبان، لذلك كان يصومه، وفي تخصيصه ذلك بالصوم إشعار بفضل رجب، وأن ذلك كان من المعلوم المقرر لديهم] اهـ.

حكم تداخل النية في الصوم

وإذا كان الصوم في شهر رجب له هذه الـمَزِيَّة، فإنَّ تداخل الصوم فيه -بمعنى صومِ يومٍ فيه بنيتين- مختلفٌ فيه بين الفقهاء بناءً على اختلافهم في مشروعيةِ التشريكِ في النيةِ بين الواجبِ والنَّفْل، وذلك بأن ينوي مع العبادة المفروضة عبادةً أخرى مندوبة.

والأصل فيمن حنث في يمينه أنه تلزمه الكفارة، وهي تحصل بواحدة من ثلاثِ خصالٍ على سبيل التخيير: إطعامُ عشرةِ مساكين، أو كسوتُهم، أو عِتقُ رقبةٍ مؤمنة، فإن عجز المُكفِّرُ عن جميع ذلك، صام ثلاثة أيام، كما قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: 89].

قال الإمام ابن المنذر في "الإشراف على مذاهب العلماء" (7/ 128، ط. مكتبة مكة الثقافية): [أجمع أهل العلم على أنَّ الحانث في يمينه بالخيار: إن شاء أَطعَم، وإن شاء كَسَا، وإن شاء أَعتَق، أيَّ ذلك فَعَل يجزئه] اهـ.