أحد أبرز المعالم الإسلامية.. ما لم تعرفه عن قبة الصخرة
تُعَدُّ قبة الصخرة من أبرز المعالم الإسلامية في مدينة القدس، وأحد أقدم النماذج المعمارية الإسلامية الباقية حتى اليوم، بناها الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان في القرن الأول الهجري، وتتميّز بتصميمها الفريد، وقبتها الذهبية اللافتة، تحمل القبة بُعْدًا دينيًا وتاريخيًا عميقًا، حيث شُيّدت فوق الصخرة التي ورد أن النبي ﷺ عرج منها إلى السماء.
مكان قبة الصخرة ونشأتها
وقبة الصخرة من أبدع وأروع العمائر الإسلامية عامة وفي بلاد الشام وفلسطين خاصة، وهي تقع في منطقة الحرم القدسي الشريف، وهي منطقة أُولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى الرسول الكريم سيدنا محمد بن عبد الله، مصداقًا لقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِیۤ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَیۡلࣰا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِی بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِیَهُۥ مِنۡ ءَایَٰتِنَاۤۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡبَصِیرُ﴾ [الإسراء: ١].
ويرجع الفضل في عمارة هذه القبة للخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (٦٥-٨٦هـ/٦٨٤-٧٠٥م)، وفرغ من عمارتها عام ٧٢هـ/٦٩١م، وقد اختلفت الآراء حول الدوافع والأسباب التي حملت عبد الملك على عمارة هذه القبة، فها هو المؤرخ اليعقوبي يذكر أن عبد الملك أراد ببناء قبة الصخرة أن يُحَوِّلَ الحج إليها بدلًا من مكة التي كان بها منافسه عبد الله بن الزبير، وأنه (أي عبد الملك) قد رَدَّ على اعتراض الناس بالاستشهاد بالزُّهْرِيّ (ت ١٢٤هـ/٧٤١م) الذي روى حديث شد الرحال إلى المساجد الثلاثة: المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى [اليعقوبي، تاريخ جـ٢ ، ص٣١١].
وقد نقلت المصادر اللاحقة نفس الخبر كما هو الحال عند ابن البطريق وابن كثير وابن تغري بردي ومجير الدين العليمي [ابن البطريق، التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق، جـ٨، ص ٢٨٠، ابن كثير، البداية والنهاية، جـ١، ص٢١٧، ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة، جـ١، ص ٢١٧، العليمي، مجير الدين، الأنس الحليل، جـ١، ص٢٤٠-٢٤١]، أما المهلبي الجغرافي فهو وإن كان قد ردد نفس الخبر إلا أنه أخطأ ونسبه إلى الوليد بن عبد الملك [ المهلبي، الحسن بن أحمد، المسالك والممالك، مجلة معهد المخطوطات العربية، السنة الرابعة،(١٩٨٥م) ص٥٤] (أي الابن بدلًا من الأب).
أهمية قبة الصخرة في الإسلام
تتجلى الأهمية الدينية لقبة الصخرة في ارتباطها بليلة الإسراء والمعراج، فإلى المسجد الأقصى أُسْرِىَ بالرسول صلى الله عليه وسلم، ومن فوق هذه الصخرة عُرِجَ به إلى السماوات العليا، وبذلك بلغ مبلغًا كبيرًا لم يصل إليه مَلَكَ مقرب ولا نبي كريم، وقد عبر القرآن الكريم عن ذلك بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوۡسَیۡنِ أَوۡ أَدۡنَىٰ﴾ [النجم: ٨ - ٩].
أهمية قبة الصخرة التاريخية
تُعَدُّ قبة الصخرة أقدم مبنى أثري إسلامي باقٍ في الحضارة الإسلامية، بالإضافة إلى ذلك يحتوي هذا المبنى على أقدم دليل لأول سرقة تاريخية وانتحال في العصر الإسلامي، حيث قام النقَّاش في عهد الخليفة العباسي المأمون (١٩٨-٢١٨هـ/٨١٣-٨٣٣م) بمحو اسم الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان وإحلال اسم الخليفة المأمون محله، لكن فات على النقَّاش أن يغير التاريخ ليتناسب مع فترة حكم المأمون، وبالتالي فإن بقاء التاريخ الأصلي كما هو أضحى دليلًا ماديًا، أو قرينة أثرية مهمة على هذه السرقة وذلك الانتحال [محمد حمزة الحداد، النقوش الآثارية، ص ١٠٨- ١٠٩].
التصميم المعماري الفريد وأهميته
تتمثل هذه الأهمية في روعة تخطيطها وحسن تصميمها وإبداع شكلها، بحيث اعتبرها كثير من المستشرقين والعلماء الأجانب أعظم بناء معماري في العصور الوسطى، فضلًا عن أنه نموذج لم يتكرر بعد ذلك، مما جعل منه نموذجًا فريدًا، بل ونادرًا في العمارة الإسلامية.
يتكون التصميم العام لقبة الصخرة من مُثَمَّن خارجي مصمت، إذ لا يحوي سوى أربعة أبواب محورية تواجه الجهات الأصلية الأربع، وتبلغ أبعاد الأبواب ٣.٤م ارتفاعًا و٢.٦م عرضًا، ولم تتغير مقاييس الأبواب منذ عهد عبد الملك، ويتقدم هذه الأبواب سقيفة محمولة على الأعمدة والدعامات بواقع ثمانية دعامات فيما بينها ستة عشر عمودًا، أي عمودان بين كل دعامتين، يلي ذلك دائرة وسطى مفرغة تتكون أيضًا من الدعامات والأعمدة، بواقع أربع دعامات فيما بينها اثنا عشر عمودًا، أي ثلاثة أعمدة بين كل دعامتين، وهذه الدائرة هي التي تحيط بالصخرة المقدسة، وهي التي أقيمت فوقها القبة.
أما عن الصخرة نفسها فهي معلقة، إذ إنها ترتفع عن أرض القبة من ثلاثة جوانب بواقع ١.٥م، وهي مساحة غير منتظمة الشكل حيث تبلغ أبعادها ١٧.٥م/١٣.٥م، وقد ترتب على هذا التصميم: مُثَمَّن خارجي ثم آخر داخلي ثم دائرة وسطى، بالإضافة إلى ممرين داخليين أحدهما يحيط بمنطقة الصخرة والآخر مجاور له باتجاه الخارج، وكان المهندس بارعًا في هذا التصميم حيث وضع الدعامات المحيطة بالصخرة بشكل ملفوف بعض الشيء حتى لا يحجب الرؤية عن الصخرة من أي اتجاه، وقد تم تغطية السقف بواسطة سطح مائل يستند أحد طرفيه على الدائرة الوسطى، وهو الطرف الأعلى، ويستند الطرف الآخر على المُثَمَّن الخارجي، وهو الطرف الأدنى، ومحمول في الوسط على المُثَمَّن الداخلي.
القبة: ذات قشرتين أو طبقتين، إحداهما داخلية والأخرى خارجية، وهي من الخشب المكسو بألواح الرصاص ومغطى برقائق الذهب، وتقوم هذه القبة على رقبة أسطوانية فتحت بها ست عشرة نافذة تستند بدورها على الدائرة الوسطى، ويبلغ قطر هذه القبة ٢٠.٤٤م [انظر الدراسات الوصفية الكاملة عند كل من كريزول، وكمال الدين سامح، ومحمد عباس بدر، وعبد القادر الريحاوي، وأحمد فكري، ومحمد عبد الستار عثمان، ومحمد حمزة الحداد، وسوسن سليمان يحيى، وغيرهم].